Posted by: tarbeyawatakwin | أبريل 13, 2015

التربية البديلة … نهجية اللاعنف


لا يطرح هذا الكتاب مجرد مقاربة نظرية، لقضية تربية الأطفال في سنواتهم الخمس الأولى، بل يختبر عبر تجارب ذاتية،

م-م مجلاو/ طنجة اصيلة مشروع المؤسسة

م-م مجلاو/ طنجة اصيلة
مشروع المؤسسة

مهارات أثبتت فاعليتها من تراكم الخبرات في النظر إلى تلك القضية باعتبارها في الأساس قضية تتصل بعلم نفس النمو. ذلك أن المبادئ المتعلقة بحل المشكلات والمنهجيات السلوكية في هذا الكتاب تنطلق من دراسة سلوك الأطفال في الأوساط الواقعية؛ أي في البيت والمدرسة وأماكن اللعب. وهكذا فإن المؤلفين يكتبان هذه العبارة في أول صفحة من الكتاب كمجال حقيقي للاشتغال على مضمونها في بقية صفحات الكتاب كموضوع للتربية الذكية

تحديدًا .. تقول العبارة: (إذا لم تتوافق احتياجات الأطفال مع توقعات الأهل، وإذا لم ير الأطفال الأشياء بالطريقة ذاتها التي يراها بها الأهل؛ فإن ذلك يكون إشعارًا ببدء المتاعب) هذه المتاعب وإن بدت كذلك للأهل إلا أنها من جانب علم نفس النمو وفلسفة التربية تعتبر تعبيرات طبيعية للأطفال لأنهم ببساطة يبدؤون من الصفر، ولهذا فإن فارق العمر الذي يتجاوز عشرين عامًا بين الأهل الكبار هو ما يمكن أن يجعل تلك التعبيرات البريئة كما لو أنها متاعب مقصودة.

ينحاز الكتاب للأطفال بلا تحفظ في ممارسة تعبيراتهم التي تختلف من طفل لطفل، ولهذا فإن منهج التربية الذكية في نمط هذا الكتاب ينحو إلى استثمار الذكاء في مراقبة أفعال الطفل وردود أفعاله كأنجع وسيلة لضمان تجنب الكثير من المشكلات، فطبيعة الطفل وطاقاته وغرائزه تجعل منه باستمرار كائنًا متحركًا باحثًا عن الكثير من الأساليب للتعبير عن ذاته، وأثناء ذلك البحث لابد أن تقع المشكلات في الطريق.

وخلال عشرين عامًا من الانخراط في مجال تربية الأطفال سواء عبر التعليم أو عبر الاستشارات في مراكز الطفولة، يؤكد المؤلفان أنهما يقدمان في هذا الكتاب عصارة مكثفة لطرق وأساليب تم التأكد من نجاعتها لا عبر التنظير من زاوية فلسفة التربية فحسب، بل كذلك عبر التجارب العملية وعبر الكثير من القصص الواقعية.

يطرح المؤلفان مفهوم القدوة في مجال التربية الذكية كأهم ركيزة من ركائز النجاح فالتربية بالقدوة تؤتي ثمارها في ردود أفعال الطفل بطريقة جذابة وتلقائية. ذلك أن القدوة هنا لا تأتي كحالة معزولة، بل تأتي ضمن اختيارات تربوية متعددة يتقنها الوالدان بذكاء. ومن هذه الاختيارات في النظر إلى سلوك الأطفال تأتي أهمية التفريق بين الطفل وفعله في حال الرغبة عن التعبير تجاه سلوك ما يقوم به الطفل. حيث يقول المؤلفان في الكتاب (لا توجهوا الإطراء إلى الطفل بل إلى العمل الذي قام به. يمكنكم على سبيل المثال أن تقولوا «إنك تجلس هادئًا؛ هذا شيء جميل» بدلاً من أن تقولوا له «إنك لطيف لأنك تجلس بهدوء» ركزوا إذن مديحكم وتوبيخكم على سلوك الطفل لأن السلوك هو تحديدًا ما تريدون ضبطه) .

وحول مفهوم القدوة يطرح المؤلفان الهدف الأساس منها لكي تكون سلوكًا مؤثرًا لدى الأطفال، فالقدوة هنا ليست مجرد فعل بل هي كذلك سلوك يتضمن رؤية تربوية لذلك يقول المؤلفان (إن المهمة الأولى التي تنتظر الأهل هي تعليم أطفالهم بطريقة يفهمونها، كيف يتصرفون في عالم المنزل الحميم، وفي الخارج بين الناس. وعندما يتحمل الأهل بصبر جميل نوبات الغضب التي تنفجر عند أطفالهم فإنهم لا يهدفون إلى إعادة الهدوء والنظام إلى أجواء المنزل فحسب، بل يريدون في نهاية المطاف إلى أن يبينوا لأطفالهم كيفية التعبير عن الإحباط والغضب بطريقة ملائمة أكثر. وعلى الأهل بوصفهم مسؤولين عن السلوك أن يكونوا القدوة الحسنة. أي بأن يلتزموا هم أنفسهم بالمسلكيات التي يرغبون تعليمها لأطفالهم، وأن يعلموهم قيمهم بطريقة تجعل هذه القيم مهمة بالنسبة لأطفالهم تمامًا مثلما هي مهمة بالنسبة للأهل). الاهتمام الحريص بالأطفال لا يعني الحضور معهم طوال الوقت، ففي ذلك إضرار كبير بمساحة الحرية التي يرغبون فيها، لكن ثمة طريقة أخرى تمثل في ترك الأطفال مع الألعاب التي يرغبون فيها، ومراقبتهم من بعيد دون التدخل المباشر. فالطفل بطبيعته يحتاج على رقابة ولكنها لابد أن تكون رقابة ذكية.

يطرح الكتاب مناقشة فلسفية هادئة ومقنعة لقضية الصراخ والضرب. ففي الغالب يجد المؤلفان أن ردود فعل الوالدين تجاه التصرف السيئ للطفل، تأتي عبر الصراخ أو الضرب. لكن الصراخ والضرب في العادة يؤديان إلى حدوث التصرفات السيئة من الطفل مرة أخرى. وبطريقة يبدو معها أن الصراخ والضرب يأتيان بنتائج عكسية وسلبية. فالصراخ والضرب يعبران عن اهتمام سلبي بالطفل، لكن المعنى الفلسفي الذي يفسر هذه النتائج العكسية هو أن الطفل بطبيعته يرغب في الحصول على اهتمام والديه ومن حوله، وإذا كان الصراخ مثلاً هو الشكل الوحيد الذي يتلقاه من ذلك الاهتمام فإنه سيتصرف بشكل سيئ لا لشيء إلا للحصول على ذلك الاهتمام. وهذا المعنى الفلسفي يكشف لنا كيف أن ردود الفعل التلقائية والانفعالية على تصرفات الطفل السيئة تؤدي في الواقع إلى ضرر كبير في مسلكياته. أي أن التربية الذكية هنا لابد أن تدرك الأثر السيئ للصراخ والضرب وتستبدل بهما ردود فعل ذكية وتربوية تكون نتيجتها المزيد من المسلكيات الحميدة للطفل لتجديد رغبته في حصوله على اهتمام والديه.

الإيحاء الذاتي

ينبغي لأهل الطفل أن لايُخضعوا تصرفاتهم المحتملة حيال أطفالهم إلى إكراهات الإيحاء الذاتي في جانبها السلبي، فالإيحاء الذاتي هو الأفكار الداخلية التي ترد على الذهن وتحكم سلوكنا، وهي أحيانًا تكون أفكارًا غير عقلانية. فإذا فكر أحد الأبوين بعدم قدرته على التسامح حين يرى طفله باكيًا؛ فإن رغبته في التسامح حين يرى طفله باكيًا أو شاكيًا ستشهد هبوطًا حادًا، مما قد يؤدي به إلى تصرفات غير عقلانية عند حدوث ذلك. لكن الإيحاء الذاتي قد يكون أيضًا سببا في الخروج بسلوك عقلاني إذا فكر الشخص بطريقة مختلفة إزاء بكاء طفله، كأن يقول بينه وبين نفسه (لا أحب سماع طفلي وهو يشتكي ويئن، ولكنني لن أموت بسبب ذلك) وبمثل هذا الإحساس لن يرفع درجة تسامحه فحسب، بل سيجد طريقة ملائمة أكثر لتغيير ذلك السلوك.

لا يقترح هذا الكتاب ترتيبات متناسخة على نمط واحد. ذلك أن الكتاب يؤكد أن لكل طفل وتيرة مختلفة في النمو ، وشفرة خاصة في طريقة التواصل معه. ويمكننا القول إن هذا الكتاب إذ يطرح قواعد إرشادية عامة لطريقة التعامل مع مسلكيات الأطفال في مراحل نموهم المختلفة، فإنه في نفس الوقت يركز على الإبداع الخاص لدى كل أسرة في اكتشاف طرائقها المبتكرة في ضوء تلك القواعد الإرشادية.

رسالة الكتاب الأخلاقية تكمن في أن هناك تواطؤًا ذكيًا يمكن من خلاله استيعاب ردود فعل الأطفال وحلول مشكلاتهم بأقل الطرق لطفًا وتدبيرًا. وهو تواطؤ عماده الحب والشفقة والوعي والإدراك العميق لقدرات الطفل بحسبانها طاقات إيجابية يمكن الاستفادة منها في تنمية سلوكه ومهاراته، حتى عندما يقع في الأخطاء.

التصور الفلسفي الرصين لمؤلفي الكتاب حول تربية الأطفال وتفهم دوافع سلوك الطفل من زواية علم نفس النمو، يمنح القارئ قناعات عميقة. فالمؤلفان يعتقدان أن دوافع ظاهرة السرقة لدى الأطفال تقوم بالأساس على إحساس تلقائي للطفل يجعله يتخيل أن كل شيء في هذا الكون ملك له، والتعامل مع الطفل وفق هذا التصور عند معالجة مشكلة السرقة لديه مثلا يمكِّن الوالدين من توجيهه بطريقة ذكية حين يخبرانه مثلا أن هناك أشياء في هذا العالم هي له، وأشياء أخرى ليست له، فيعلمانه في وقت مبكر جدًا بعدم وضع يده على ملكيات الآخرين دون موافقتهم مثلاً. وبهذا المعنى فإن الأهل يمثلون ضميرًا حيًا للطفل في هذه المرحلة.

ويستمر الكتاب في صفحاته في طرح الإشكالات والقضايا السلوكية للأطفال ووضع قواعد كل مرحلة تعين على تجاوزها بأكثر الطرق الإيجابية. فيعرض مسألة الخجل عند الأطفال، وكذلك الكذب، واللعب بالأسلحة الوهمية وغير ذلك.

وبالإضافة إلى القواعد الإرشادية يطرح المؤلفان في كل فصل احترازات وقائية كما يقومان في نهاية كل فصل بإيراد قصة من واقع الحياة، تؤكد دور التربية الذكية في تحقيق الحلول والنجاحات إزاء مشكلات الأطفال.

تأتي القواعد الإرشادية للأهل في الكتاب على شكل جمل وعبارات قصيرة مثل:

· فكروا قبل أن تقولوا (لا)

· لا تكثروا من الأسئلة التي تتطلب جوابًا بـ(نعم) أو (لا)

· لا تعاقبوا أطفالكم دائما على التذمر والشكوى.

هذا الكتاب بأسلوبه المكثف، وعباراته الدقيقة، وقصصه الواقعية يعتبر دليلاً تربويًا ذكيًا. وهو كتاب يمزج بين تعبير ذي لغة ذاتية، وتجارب واقعية تصب في الرؤية الصائبة لمؤلفين قضيا طرفًا كبيرًا من الحياة في الممارسة التربوية.

وإذا كان موضوع العنف المتمثل في الضرب والصراخ في تربية الطفل، هو المشكلة الأولى التي عمل مؤلفا الكتاب على تجنبها عبر ابتداع حلول ذكية وخلاقة، فلا شك أنهما نجحا في ذلك.

ذلك، أن الكتاب بما انطوى عليه من نماذج متعددة لمشكلات عملية وسلوكية لدى الأطفال دل تمامًا على أن أساليب التفكير كانت باستمرار موازية للمنهجيات السلوكية في قضية تربية الأطفال بذكاء يتجاوز العنف والصراخ.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: