Posted by: tarbeyawatakwin | أكتوبر 13, 2014

المعلم..كائن هش..


 إن المجتمع الذي لا يُكرم معلميه مجتمع متخلف!
imagesتلك حقيقة لا غبارعليها ولامزايدة بشأنها، فملاحم النهضةوالتقدم التي تجني ثمارها اليوم أقطارعديدة إنما يقف خلفها مارد بشري تهيأت له المكانة الاعتبارية و المناخ الإيجابي للأداء و الممارسة.ووصم مجتمع ما بالتخلف لا يمكن تبديده بجلب التقنيات ووسائل التطور الحديثة، وإنما بتحرر الذهنية من سمات التخلف على مستوى التصوروالسلوك وتقييم الآخر.ومن خلال رصد تجليات التخلف الاجتماعي في بلداننا لانملك سوى تأييد ما خلص إليها الدكتور مصطفى حجازي من كون التعليم لم يكامل الشخصية، بل ظل في كثيرمن الأحوال قشرة خارجية تنهار عند الأزمات لتعود الشخصية إلى نظرتها الخرافية.إن هناك ازدواجية في الشخصية بين دورالتعليم ودور الممارسة الحياتية،ازدواجية تبلغ حدود الانفصام و الانشطار(التخلف الاجتماعي.المركز الثقافي العربي.الدراالبيضاء 2005.ص 78).
لكن هل المعلم هو المسؤول عن استمرار الذهنية المتخلفة وعن التباين الحاد بين خطاب العصرنةومشاريع التحديث، وانعكاسهما على السلوك اليومي وأنماط التواصل داخل المجتمع ؟
ولماذا يُشار للمعلم دوما بأصابع الاتهام كلما لاحت بوادر فشل المنظومة في الاستجابة للتحديات،والتلاؤم مع الإيقاع المتسارع للعولمة؟
يبدو النقاش في هذا الصدد متقدما في الغرب على نحويدعو للاستغراب،إذ مادمنا مصرين على الاقتباس فلماذا لا نثير الإشكاليات بجرأة تحررنا من اتخاذ المعلم قربانا كلما تبين عجز المنظومة عن استيعاب مفردات الواقع المتجدد ورهاناته؟ فعلى سبيل المثال حين يُسائل “هنري بركنسون” قدرة نظم التعليم على الاستجابة لحتمية تحول المجتمعات إلى “ترويكا” يتحد فيها العلم و التكنولوجيا والتنمية،فإنه يلقي باللائمةعلى نظرية تربوية لا تزال محكومة بفكرة “الأهداف” المسطرة مسبقا،والتي تدور حولها المكونات الأخرى للمنظومة.ومعلوم أن تبني هذه النظرية إنما كان وليد الانبهار بما حققته المؤسسات الإنتاجية من ريادة بعد اعتمادها لخطوط التجميع التي تمكن من التحديد المسبق لمواصفات المنتوج ثم التحكم في جودته.إن هذه النظرية التي لحقتها “زوائد بيداغوجية” ،كتلك التي أضافها “بلوم” ومدرسته من خلال صياغة الأهداف بالطرق السلوكية،أفقدت التعليم جوهره الإنساني،وأسهمت في ترسيخ ممارسات تربوية مبنية على نظرية خاطئة للمعرفة، بحيث أصبح معظم المعلمين عاجزين عن التحديد الصحيح لطبيعة المعرفة ومصادرها وكيفية نموها.أما الحل برأي بركنسون دائما فيكمن في تحريرالمعلمين والمتعلمين من الأهداف والغايات عبرمدخل ناقد يستمد خطوطه العامة من نظرية المعرفة التطورية ل”كارل بوبر”.
على نفس المنوال يمضي الباحث الدكتور عادل سلامة في تجميع مفردات الأزمة التعليمية، لكن هذه المرة على الصعيد العربي.وما يتضح من خلال دراسته المدرجة ضمن عمل مشترك يحمل عنوان ( التربية المقارنة والألفية الثالثة.عبد الغني عبود و آخرون.القاهرة.2000) أن أداء المدرسين غير مدرج كملمح من ملامح هذه الأزمة مادام الأمر متعلقا بقصور ذاتي كامن في النظم التعليمية.أما أهم تجليات هذا القصور فيحددها على النحو الآتي :
•جزئية الإصلاح التعليمي ، حيث أن معظم الإصلاحات التعليمية في الدول العربية انطلقت من رؤى غير نظمية عجزت عن الوفاء بمرامي التعليم ،أو تلبية احتياجات سوق الشغل.
• غياب التخطيط المستقبلي للتعليم، بحيث يقوم التخطيط السائد على حسابات كمية وأساليب تقليدية مشكوك في رصانتها و فاعليتها، كما أنه يتحرك في أفق زمني ضيق لا يستجيب للطموحات المستقبلية .
• ضعف المحتوى الدراسي وعجزه عن ملاحقة المعارف المتجددة في عصر المعلوماتية، إضافة إلى غلبة الطابع النظري.
و إذا كانت التجربة التربوية المعاصرة محكومة بإطار فلسفي ناظم لتوجهات المجتمع ومراميه ونظرته للإنسان والحياة، فإن تعدد المدارس الفكرية والفلسفية التي حرصت النظم التعليمية على استيعابها لتحقيق الوثبة المعرفية والحضارية، أثر سلبا على صورة المعلم وأدائه داخل الفصل،إذ ما إن يتم اعتماد طرح فلسفي معين تصاغ في ضوئه العملية التربوية حتى تسارع التوجيهات الرسمية إلى تكييف المواصفات الشخصية والبيداغوجبة للمعلم بما يتلاءم مع هذا الطرح، دون مراعاة ما ينشأ عن المتغير الفلسفي من اهتزاز للصورة و تعارض مع ثقافة المجتمع. وحتى تتضح الصورة على النحو المطلوب  نستعرض بإيجاز شخصية المعلم كما حددت سماتها وأبعادها عدد من المدارس الفلسفية(•) :
• الفلسفة المثالية: المعلم هو الوحيد مركز وقائد العملية التربوية، وهو المثل الأعلى للتلاميذ مما يفرض عليه خلق الظروف التعليمية المناسبة وحفز الرغبة في التعلم.
•الفلسفة الواقعية: المعلم هو مفتاح التربية و ناقل التراث الثقافي، وهو وحده من يتحمل مسؤولية القرار؛ أي المواد التي ينبغي أن تُدرس في الفصل. هدفه الوحيد تقديم المعرفة وعرض الحقائق بموضوعية وتجرد بعيدا عن كل ذاتية.
• الفلسفة الإنسانية : مهمة المعلم الإنساني هي إنماء شخصية التلميذ وثقافته، ومراعاة الهدف الأخلاقي للتربية باعتبارها أداة لإصلاح المجتمع. إنه المسؤول عن “أنسنة” المواد التعليمية بحيث تنحاز إلى مشاكل الإنسان و آماله وطموحاته .
• الفلسفة الطبيعية : إن المصدر الوحيد للمعرفة هو تجربة الطفل أما المعلم فمجرد شاهد محايد،وتأسيسا على هذه النظرة احتل الطفل بؤرة العمل التربوي ليقف المعلم على الهامش إلى جانب المواد التعليمية و أهداف المجتمع ! إن دور المعلم في هذه الفلسفة هو السلبية اليقظة التي تكتفي بالتفرج و لا تبادر بالتدخل إلا في حال تعريض الطفل حياته للخطر.
• الفلسفة البراغماتية : مهمته هي تشكيل اتجاهات التلاميذ وفق مباديء البراغماتية،لذا فإن التدريس ينبغي أن يتخطى حدود تلقين المعارف بشكل مباشر صوب تحويل المواقف التعليمية إلى مشكلات تستحث التلاميذ على اتباع طرق لحلها.إن المعلم البراغماتي كما يُعرفه” جون ديوي” هو الذي ينهج منهج سقراط الذي علم طلابه كيف يفكرون ويعملون بأنفسهم ، وأن يعملوا اكثر مما يعرفون وأن يبدعوا أكثر مما يكررون.
• الفلسفة الوضعية المنطقية : ينهض عمل المعلم على إثارة دوافع التلاميذ، وأن يعرض المواد التعليمية بأسلوب منطقي خال من الغموض والانحياز والذاتية.كما أنه مسؤول عن اعتماد طريقة تدريس تحدد بوضوح نوع العلاقة الأخلاقية و الاجتماعية التي تربطه بالتلميذ والتي ينبغي أن يسودها الوئام والحب باعتباره محفزا على المواظبة في الإنجاز لنيل رضاه.
بين قدوة وأنموذج ثم ناقل للمعلومات وصولا إلى شاهد أو مستشار في المواقف التي تحتاج تدخله،تباينت التصورات بشأن الحيز الذي ينبغي أن يشغله المعلم في العملية التربوية.وإذا كانت الروافد الفلسفية المتعددة تسهم في طرح بدائل وصوغ مقترحات تنزع التربية إلى أجرأتها،فإن غياب تساوقها مع ثقافة المجتمع بفعل انتسابها إلى منظومة لها فهمها الخاص للحياة والإنسان والكون، أسس لوضع مفارق بشأن مسؤولية المعلم وحدود تدخله، فبينما تحد الأدبيات التربوية الرسمية وتوجيهات الوزارة الوصية من حريته وسلطته داخل الفصل،لا يزال المجتمع يحاكمه باعتباره الفاعل الأساسي في المنظومة،والمسؤول المباشر عما يحدث من تراجع وانكماش. بل إن الإعلام لا يتورع عن الانحياز لهذه الثقافة ومجانبة الصواب حين يحاكم الصورة العامة للمدرس ومكانته الاعتبارية كرد فعل على وقائع فردية و زلات شخصية لها محدداتها النفسية و الاجتماعية.
إن عدم التوافق بين نظم التعليم والتحولات المتسارعة يثير قلق دول العالم غنية كانت أو فقيرة لكنه ،بحسب فيليب كومبز، يزداد حدة عندما تلوح في الأفق أزمة ثقة في التعليم ،مما يفرض انتقادا صريحا للأوضاع التعليمية بدل إلقاء التبعة على الطرف الهش في المعادلة !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(•) د.محمد الفرحان: الخطاب الفلسفي التربوي الغربي.الشركة العالمية للكتاب.بيروت1999
 
حميد بن خيبش

تربويات

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: