Posted by: tarbeyawatakwin | يونيو 23, 2014

إصلاح منظومة التربية والتكوين في ضوء الخطب الملكية


 

education_sign_resized مارس الملك محمد السادس العديد من صلاحياته عبر الخطاب، و جعلها أمرا واقعا لا يحق لأحد مناقشته. فهو من يختار التوقيت المناسب و اللحظة الحاسمة، لذلك فكل ورش إلا ويسبق بخطاب مؤسس، يستعرض السياقات و يحدد الرهانات ويرسم الغايات، فما يلبث هذا الخطاب أن يتحول إلى جدول محدد، بأجندات مضبوطة، تنتج عنه في غالب الأوقات قرارات ملزمة.

إذا ما رجعنا إلى مضامين الخطب الملكية على مدار ما يفوق نصف قرن على حصول المغرب على استقلاله (38 سنة من حكم الملك الحسن الثاني و ما يناهز 15 سنة من حكم الملك محمد السادس) ، نجد أن الحديث عن التعليم وأزمته ومطالب إصلاحه ظل ملازما للخطب الملكية على مدار كل هذه العقود ، ومع ذلك لم تفارق الأزمة منظومة التربية و التكوين ببلادنا كما لو أنها “مرض مزمن” نجح مراقبوه في تشخيص كل أعراضه و آثاره ، غير أنهم فشلوا في المقابل في الحد من انتشاره و آلامه.

هكذا، شخصت خطب الملك محمد السادس وضعية  المنظومة في العديد  من المناسبات، غير أن الواقع كان  و لازال عنيدا مشاكسا ، بدءا بخطاب الإقرار بالأزمة المزمنة التي يشكو منها التعليم ببلادنا والتأسيس لخلاصات أشغال اللجنة الملكية الخاصة لوضع مشروع ميثاق وطني للتربية والتكوين، مرورا إلى التماس الإصلاح و المطالبة بتفعيل مضامين هذا الميثاق الوطني، و وقوفا عند الخطب التنظيمية التي استتبعها إنشاء مؤسسة للأعمال الاجتماعية لأسرة التعليم و المجلس الأعلى للتعليم ، وصولا إلى خطاب الإنقاذ من خلال اعتماد المخطط الاستعجالي والإجراءات التي صاحبته، ورجوعا من جديد إلى الحديث عن تأزيم المنظومة التي قدر لإصلاحها أن يظل متأرجحا بين الطموح والانتظارية.

 

1خطاب الاعتراف بالأزمة:

قبل خمسة عشر عاما، وتحديدا بمناسبة عيد الشباب لسنة 1999، وحلول الذكرى السبعين لميلاد الملك الراحل الحسن الثاني ، كانت هذه آخر كلماته للمغاربة قاطبة وللشباب خاصة بالنظر للأعداد الأعداد التي تراكمت على بلدنا بوثيرة ستين ألف شاب وشابة في السنة :” يجب أن أقول لك: إن هذا شيء غير طبيعي، وهو غير طبيعي لسببين :الأول: هو أن التعليم لم يأخذ بعين الاعتبار ظاهرة العمل والتشغيل. والسبب الثاني هو غلطة أفدح من الأولى هو أن الموجهين في ميدان التعليم لم يقوموا بواجبهم، وأطلقوا العنان للعديد من الشباب يجربون أنفسهم في هذه المادة أو تلك دون أن يكونوا عارفين لملف الطالب أو الطالبة ومدركين تماما لقابليته بالنسبة لهذا التخصص أو ذاك. وما هي قدرته بالنسبة لهذه المادة أو تلك.وبالنسبة لبرنامج التعليم سأحدثك عنه- شعبي العزيز- إن شاء الله في 20 غشت. لأني سأكون آنذاك قد توصلت من اللجنة بدراستها كاملة“.   

فيما يخص هذه اللجنة، كان الملك الراحل قد ذكر قبل أربعة أشهر، وبالضبط يوم 3 مارس 1999 بمناسبة عيد العرش ، أنه : ”  قررنا تكوين لجنة خاصة بعهد إليها باقتراح مشروع لإصلاح نظام التربية و التكوين وفق المنهجية و الأهداف التي تم تحديدها في رسالة خاصة سنوجهها إلى مستشار جلالتنا السيد عبد العزيز مزيان بلفقيه الذي عيناه رئيسا لهذه اللجنة“.

            بعد سبعة أيام من وفاة والده، استمر الملك محمد السادس في التذكير بمناسبة الذكرى الأولى لاعتلائه عرش المغرب بأن قضية التعليم تشغل حيزا كبيرا من اهتماماته الآنية والمستقبلية  لما تكتسيه من أهمية قصوى ولما لها من أثر في تكوين الأجيال والتطلع إلى القرن الحادي والعشرين بممكنات العصر العلمية و مستجداته التقنية وما تفتحه من آفاق عريضة للاندماج في العالمية .ويذكر الملك محمد السادس في هذا الإطار بقوله : “واعتناء من والدنا المكرم بهذه القضية، فقد كان عين لجنة وطنية خاصة عملت تحت رعايته السامية مستنيرة بالتوجيهات التي تضمنتها رسالته الملكية في هذا الصدد .وقد توجت اللجنة جهودها الحميدة بوضع مشروع ميثاق للتربية والتكوين كانت تتأهب لعرضه على أنظار والدنا المقدس لولا أن الأجل وافاه..“.

        كما وعد في خطاب العرش ، ذكر في خطابه يوم الجمعة 20 غشت 1999،  بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، بأنه سينكب ” على ملف التعليم في ضوء مشروع الميثاق الذي أنجزته اللجنة الملكية الخاصة للتربية والتكوين وبالعناية التي هو جدير بها لأهميته في إعداد النشء وتأهيل أجيال المستقبل”.

بعد أقل من شهر ، لفت الملك محمد السادس، بمناسبة افتتاح الدورة الخريفية للسنة التشريعية الثالثة يوم الجمعة 8 أكتوبر 1999، الانتباه إلى مسألتين ملحتين تتعلق الأولى بالتعليم و الثانية بقضايا التشغيل و البطالة.  وفيما القضية الأولى التي تهمنا أشار إلى أنه : “على الرغم من تراثنا الزاخر الأصيل في هذا المضمار وما لنا فيه من تقاليد عريقة راسخة وعلى الرغم من الجهود المتلاحقة التي بذلت طوال أزيد من أربعة عقود لجعل تعليمنا يواكب مرحلة استرجاع الاستقلال ومتطلبات بنائه فإننا نلاحظ أن الأزمة المزمنة التي يعانيها والتي جعلت والدنا رضوان الله عليه يعين لجنة ملكية خاصة ممثلة فيها جميع الهيآت والفعاليات لوضع مشروع ميثاق وطني للتربية والتكوين. وقد شاءت الأقدار أن تنهي هذه اللجنة أشغالها دون أن يطلع والدنا المشمول برحمة الله على نتائجها“.  وقد شدد في ذات الخطاب على أن : “الضرورة لتقتضي كذلك أن ننظر إلى أساليب التدبير من أجل ترشيد النفقات المرصودة للتعليم. وإن الواجب يحتم علينا الصرامة في التعامل مع الأموال العامة صونا لها من كل التلاعبات. إننا نستطيع تحقيق هذه الأهداف إذا ما تم ترشيد استغلال الموارد المادية وعقلنة تدبيرها وإذا ما وقع تحسين الاستفادة من الكفاءات والخبرات وإذا ما ساهمت في الإنجاز كل الأطراف المعنية من جماعات محلية وقطاع خاص ومؤسسات إنتاجية وجمعيات ومنظمات وسائر الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين دون إغفال دور الآباء والأمهات ومسؤولية الأسر في المشاركة بالمراقبة والتتبع والحرص على المستوى المطلوب “.

 

2 – خطاب الأجرأة:

   ترجمة لأشغال اللجنة،  حث الملك محمد السادس ، بعد أقل من سنة في خطابه الموجه إلى الأمة بمناسبة ذكرى عيد العرش الثاني ، الحكومة  على تفعيل الميثاق الوطني للتربية و التكوين و تسريع عملية تنفيذه و تخصيص الاعتمادات اللازمة لذلك ، كما شدد على : ” وجوب انخراط جميع المعنيين كل من موقعه في جو من التعبئة الشاملة و التجند الكامل حول أهداف الميثاق بعيدا عن المزايدات والحساسيات قصد تفعيله مجددين التأكيد على قرارنا السامي بإعلان العشرية القادمة عشرية خاصة بالتربية والتكوين و ثاني أولوية وطنية بعد الوحدة الترابية بحيث لا يحل موعد 2010 إلا وقد تقلص بطريقة ملموسة ببلادنا أثر الأمية و التعليم غير النافع“. فعلا، مكنت الجهود المبذولة من طرف مختلف المتدخلين في مجال محاربة الأمية من خفض نسبة الأمية بالمملكة من 43 في المائة سنة 2004 إلى حوالي 30 في المائة خلال 2010، لكن ظل برنامج محو الأمية يشكو من إكراهات مالية و بشرية تحول دون بلوغ الأهداف المشنودة رغمتمويل الاتحاد الأوروبي لبرامج محو الأمية في 11 أكاديمية جهوية للتربية و التكوين من أصل 16، يشملها نظام منح شهادات رسمية قد تفتح لحامليها فرص عمل. كما أنه إذا كان المغرب قد نجح حسب الأرقام الرسمية، في تحقيق هدف تعميم التعليم بتوفير الدراسة لــ97% من الأطفال، إلا أن 3% منهم يتركون المدرسة ويعودون إلي أحضان الأمية.ورغم جهود المغرب من أجل تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية، إلا أن تباطؤ الوتيرة في مجالات مثل محاربة الأمية، لم تعد مساعدة على تجنيب حصول المغرب منذ سنوات على مراتب متأخرة في تقارير التنمية البشرية، حيث تراجع المغرب بنحو 16 درجة على سلم التصنيف الدولي الذي وضعه تقرير التنمية البشرية لعام 2011، حيث حل في المرتبة 130 من بين 181 دولة، فيما احتل المرتبة 114 سنة 2010. وحسب تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي الخاص بالتنمية البشرية في المغرب خلال 2011 فإن “المغرب سجل تحسنا بنسبة 2,6% بين 2010 و2011، لكنه تحسن غير كاف لتحسين تصنيفه الدولي.

 واعتبارا للدور الأساسي لأسرة التعليم في تحقيق الإصلاح المؤمل، فقد قرر في خطابه السالف الذكر : ” إنشاء مؤسسة للأعمال الاجتماعية لأسرة التعليم. و سيتسنى لهذه المؤسسة التي أطلقنا عليها اسم جنابنا الشريف لتحمل اسم “مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لأسرة التعليم”أن تحتضن ربع مليون من أفراد هذه الأسرة العزيزة على جلالتنا مع عائلاتهم و أن توفر ما يلزمهم من خدمات اجتماعية في مجال السكن و التطبيب و الترفيه و التأمين ضد الآفات و التقاعد التكميلي“.  

         انتظرت أسرة التعليم سنتين ليشيد الملك محمد السادس في خطاب عيد العرش لسنة 2002، بالخطوات الهامة التي قطعت في مجال إصلاح المنظومة التربوية، مؤكدا أن : ” هنالك خطوات كبرى مازالت تنتظرنا في نهج سياسة تعليمية متناسقة . كما أن متابعة وتقييم وإغناء تفعيل إصلاح التعليم تتطلب تعزيز المهام التي تنهض بها ،  بكل موضوعية ونزاهة، اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين ، وذلك في أفق إيجاد جهاز قار يتولى مهام التقييم المتجرد والشمولي للمنظومة التربوية، في تعاون مثمر وتنسيق تام مع القطاعات المختصة، ومع جميع الفاعلين في هذا المشروع المصيري. كما حمل إليها خبر قيامه : “بإعطاء دفعة قوية لهذا الإصلاح بتنصيب مؤسسة محمد السادس للنهوض بالأوضاع الاجتماعية لأطر التربية والتكوين، وبتحسين وضعيتهم ، داعين الأسرة التعليمية للانخراط بحزم وعزم ، وغيرة وطنية، في هذا المشروع الكبير” .

         بعد ثلاثة أشهر، وتحديدا بمناسبة افتتاح السنة التشريعية 2002-2003، جعل الملك محمد السادس التعليم النافع من بين الأسبقيات الأربع، بقوله : فأنتم مطالبون بالعمل الجدي ، وباستخلاص العبرة من الحملة الانتخابية ، التي جعلتكم تقفون على انتظارات المواطنين ، الذين يتطلعون لحلول ملموسة لمشاكلهم الواقعية الأساسية ، التي ينبض بها قلب كل مواطن ، بدل جعل كل شيء ذا أسبقية ، إنها الأسبقيات الأربع المتمثلة في: التشغيل المنتج ، والتنمية الاقتصادية، والتعليم النافع ، والسكن اللائق“.

            وفي الذكرى الخامسة لاعتلاء العرش، توقف الملك محمد السادس عند الميثاق الوطني للتربية والتكوين بعد مرور نصف الطريق في تفعيل العشرية الوطنية للتربية والتكوين، مذكرا بقوله : ” يجب تكريس السنوات الخمس المتبقية لتدارك التعثر في هذا الإصلاح الحيوي، بتعبئة كل الجهود ، لاستكمال الإصلاح الكيفي، لا الكمي فقط، لمنظومتنا التربوية، وتبويء المدرسة المكانة التي تستحقها في المجتمع. وفي هذا الصدد، قررنا تنصيب المؤسسة الدستورية للمجلس الأعلى للتعليم ، ليتولى ، في تركيبة تجمع بين التمثيلية والتخصص ، المهام المنوطة به، كقوة اقتراحية وتقويمية قارة ومتجردة، للإصلاح العميق والمستمر لمنظومة التعليم.

و إدراكا للدور الحيوي، الذي تنهض به المدرسة، في تكامل مع الأسرة، لبناء مجتمع التضامن والإنصاف وتكافؤ الفرص، الذي تعمل المملكة على ترسيخ دعائمه، وكذا تأهيل أجيالنا الصاعدة، لممارسة حقوقها، وأداء واجباتها، واندماجها في عالم المعرفة والاتصال، ذكر الملك محمد السادس في خطابه إلى الأمة بمناسبة الذكرى السادسة لاعتلائه عرش المملكة المغربية، اعتماد ميثاق وطني للتربية والتكوين يدخل في صدارة الإصلاحات الشاملة والعميقة، التي يقودها.و تفعيلا لخطاب العرش من السنة السابقة، ورد في الخطاب قوله : “سنتولى تنصيب المجلس الأعلى للتعليم، الذي وضعنا ظهيره الشريف، لينهض بدوره، كمؤسسة دستورية، للتشاور والاقتراح البناء، والتوقع، والتقييم الموضوعي، لهذا الورش الحيوي“.

ولقد جاء في الخطاب الملكي بمناسبة تنصيب المجلس الأعلى للتعليم بمناسبة انطلاق-الموسم الدراسي2006-2007 : ” ومن منطلق التزامنا بمبدأ اعتبار التربية شأنا يهم المغاربة جميعا، وكذا يقيننا بأن استكشاف سبل الإصلاح المتجدد لمنظومتنا التربوية، يتطلب أن يظل هذا المجلس، بوصفه مؤسسة دستورية، منفتحا دوما على المهتمين والفاعلين وذوي الخبرة في هذا الميدان الحيوي، مما يجعله فضاء تعدديا للتشاور وتبادل الرأي، ومرصدا للتتبع الفعال وقوة اقتراحية حول قضايا التربية والتكوين “.

 

 

3– خطاب المبادرة الاجتماعية:

رغم أن الخطاب الملكي الذي ألقاه الملك محمد السادس ، يوم  الجمعة 12/10/2007 بالرباط بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثامنة، لم يخصصه للتعليم، إلا أنه حمل إشارة قوية للبرلمانيين المطالبين وفق الخطاب على الانكباب على : ” تحقيق ما هو أهم بالنسبة للمواطن. ألا وهو، بكل بساطة، عيش حر كريم قوامه: وطن موحد. أمن واستقرار. تعليم جيد. تربية صالحة. شغل منتج“.

   أما خطابه بمناسبة الذكرى الخامسة و الخمسين  لثورة الملك والشعب، فقد خصص الملك محمد السادس جانبا كبيرا منه للتعليم، و أكد من خلاله أن التعليم  يأتي في صدارة الإصلاحات، التي يعرفها المغرب : ”  ارتأينا أن نبادر لإطلاقعملية وطنية، تهدف إلى إعطاءدفعة قوية لتعميم وإلزامية التعليم الأساسي، ضمانا لتكافؤ الفرص، ومحاربة للانقطاععن الدراسة.ويتمثل ذلك في منح الكتب والأدوات المدرسية، لمليون طفل محتاج،غايتنا دعم الأسر المعوزة، في مواجهتها لتكاليف الدخول المدرسي المقبل.وسيعتمد تمويل هذه العملية أساسا، على الاعتمادات المرصودة للمبادرةالوطنية للتنمية البشرية، فضلا عن مساهمات السلطات والمؤسسات المعنية، والجماعاتالمحلية، والهيآت والجمعيات ذات المصداقية“.  

 وأضاف : ” تأكيدا لعزمنا القوي، على حسن إنجاز البرنامج الاستعجالي لإصلاحالنظام التربوي، ندعو الحكومة لإعداد برنامج مضبوط، لإسكان نساء ورجال التعليم،العاملين بالعالم القروي، واعتماد مختلف أنواع الشراكة والتعاقد لإنجازه.وإننا لنتوخى من ذلك، تمكين أسرة التعليم بالبادية، وخاصة بالمناطقالنائية، من ظروف العمل والاستقرار وتحفيزها على القيام بواجبها التربوي“.

 

4 – خطاب التصحيح و الاستعجال :  

ظل إصلاح التعليم حاضرا في سنة 2009 ، حيث لم يفت الملك محمد السادس، رغم الوضعية الاقتصادية الصعبة التي شهدها المغرب ، كسائر البلدان النامية ،  استحضار كون الإصلاح القويم لنظام التربية والتعليم والتكوين، يشكل المسار الحاسم لرفع التحدي التنموي. فعلى الجميع أن يستشعر أن الأمر لا يتعلق بمجرد إصلاح قطاعي، وإنما بمعركة مصيرية لرفع هذا التحدي الحيوي. سبيلنا إلى ذلك الارتقاء بالبحث والابتكار وتأهيل مواردنا البشرية، التي هي رصيدنا الأساسي لترسيخ تكافؤ الفرص، وبناء مجتمع واقتصاد المعرفة،وتوفير الشغل المنتج لشبابنا.

إن المتمعن في خطاب العرش لسنة 2010، يصاب بنوع من الاستغراب والدهشة، إذ أن الملك في هذا الخطاب، اعتبر أن السياسة العمومية في قطاع التعليم، تستنزف مجموعة من الإمكانات المادية بدون أن تحقق عائدا لثرواتنا البشرية، مما سيعيق عملية الإقلاع المعرفي. وقد كان الخطاب قويا، (رغم أنه لم يخصصه للتعليم)، لكن هذه العبارة، اعتبرها البعض بأنها تعبر عن عدم رضا الفاعل الملكي عن مسارات الإصلاح.

 

5 – خطاب الانتظارية أو إعادة إنتاج خطاب الأزمة : 

      ظل الأداء الملكي وفيا خلال سنة 2011، رغم ما ميزها بالمصادقة على الدستور الجديد،  للغة الانتظارية والتطلع إلى الإصلاح العميق لمنظومة التربية والتكوين؛ ففي معرض خطابه  أمام أعضاء مجلسي البرلمان، لدى افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية الثامنة ، قال أن : “إن المحك الحقيقي لنجاعة المؤسسات، بالنسبة للفئات الشعبية، هو مدى قدرتها على إحداث نقلة نوعية في الرفع من مؤشرات التنمية البشرية. ولا سيما من خلال إصلاحات وإنجازات، مقدامة وملموسة، تضع في صلبها تحفيز الاستثمار المنتج، المدر لفرص الشغل، والسكن اللائق، وتعميم التغطية الصحية، والحفاظ على البيئة، وتوفير التعليم النافع، بالإصلاح العميق لمنظومة التربية والتكوين، والانخراط في اقتصاد المعرفة والابتكار، مفتاح تقدم المغرب”.

 من مستجدات الوثيقة الدستورية ذات الصلة بمنظومة التربية و التكوين دسترة الأمازيغية كلغة رسمية إلى جانب اللغة العربية، والدعوة إلى النهوض بكافة التعبيرات اللغوية والثقافية المغربية، وفي مقدمتها الحسانية، كثقافة أصيلة للأقاليم الصحراوية.كما تم التنصيص على ضرورة الانفتاح على تعلم اللغات العالمية الأكثر تداولا وإتقانها، في إطار استراتيجية متناسقة، موطدة للوحدة الوطنية، يسهر على تفعيلها مجلس أعلى، مهمته النهوض بالثقافة المغربية، وباللغات الوطنية والرسمية، وعقلنة مؤسساتها وتفعيلها، بما في ذلك المؤسسة المكلفة بتطوير اللغة العربية.

وبعد سنة، يجدد في خطاب 20 غشت 2012 بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، دعوته إلى الانكباب الجاد على هذه المنظومة٬ التي نضعها في صدارة الأسبقيات الوطنية . لأجل ذلك، ” ينبغي إعادة النظر في مقاربتنا٬ وفي الطرق المتبعة في المدرسة٬ للانتقال من منطق تربوي يرتكز على المدرس وأدائه٬ مقتصرا على تلقين المعارف للمتعلمين٬ إلى منطق آخر يقوم على تفاعل هؤلاء المتعلمين… إن الأمر لا يتعلق إذن٬ في سياق الإصلاح المنشود٬ بتغيير البرامج٬ أو إضافة مواد أو حذف أخرى٬ وإنما المطلوب هو التغيير الذي يمس نسق التكوين وأهدافه”.

عودة على بدء، يؤكد الخطاب الملكي ، في نفس المناسبة من سنة 2013، أن  الوضع الراهن لقطاع التربية والتكوين يقتضي إجراء وقفة موضوعية مع الذات، لتقييم المنجزات، وتحديد مكامن الضعف والاختلالات، ، والابتعاد عن إخضاع تدبيره للمزايدات أو الصراعات السياسوية، بل ” يجب وضعه في إطاره الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، غايته تكوين وتأهيل الموارد البشرية، للاندماج في دينامية التنمية، وذلك من خلال اعتماد نظام تربوي ناجع”.

            تدفقت مياه غزيرة تحت وزارة التربية الوطنية بعد هذا الخطاب، لكنها لم تخلف ثمارا تستفيد بقطفها مكونات المنظومة التربية والتكوين، والشاهد على ذلك أن القطف لم يطل سوى رأس محمد الوفا وزير القطاع في النسخة الأولى من حكومة السيد عبد الإله بن كيران، ليخلفه رشيد بلمختار على رأس القطاع في نسخة الحكومة الثانية،  فما كتب لتسرع الوفا أن يبطئ الأزمة، و ما قدر لتثاقل بلمختار أن يسرع من وضع قطاع التربية و التكوين في سياقه السوسيو-اقتصادي  و الثقافي، وهكذا ربما سيعيد تاريخ التجريب التربوي ببلادنا فصول روايته كاملة وفاء للفشل، بدءا بإطلاق المشاورات، مرورا بتجميع الملاحظات وتسجيل الخلاصات، وصولا إلى التعبئة الجماعية لتنزيل هذه “الاجتهادات” وتوفير الإمكانات، انتهاء بالجلوس على كرسي الاعتراف بحجم الاختلالات وضرورة العمل على مواجهة التحديات. إنها دورة كاملة من تكرار سيناريوهات التحرش بالأزمة مع سبق الإصرار و الترصد. والأكيد أن مؤشرات عدة تعكس همهمات الشكوى الأسية من أوجاع التعليم، ولعل لسان حاله يردد مستنكرا : قلتم كلمتكم لعقود عن مذلتي، فهل من سبيل لعزتي ؟

        لن يكتب لنا السبق إذا لفتنا الانتباه إلى كون هذه الخطب الملكية قيد العرض رافقتها إصلاحات هامشية عدة على مدار ما يناهز خمسة عشر سنة ، مع اختلاف الحكومات التي عكفت على تشنيف أسماعنا بتشخيصاتها و إجراءاتها لإيجاد الدواء المناسب لهذا الداء الذي ابتليت به المدرسة المغربية. وبالرغم من كل الوصفات التي تم تجريبها والإخفاقات التي طالتها، أبت الوزارة الوصية على القطاع إلا أن تطلق لقاءات تشاورية حول المدرسة من جديد بمشاركة جميع الفاعلين التربويين وشركاء الوزارة الأساسيين إلى جانب فاعلين سياسيين وبعض مكونات المجتمع المدني وبعض الخبراء والمهتمين بالشأن التربوي، طمعا في خلق فضاءات للتقاسم والتفاعل حول الإشكاليات المطروحة أمام المنظومة التربوية وحول الانتظارات والاقتراحات في تكامل تام مع الاستشارات وجلسات الاستماع التي نظمها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في صيغته الجديدة، والتي تمحورت هي الأخرى حول تصورات الفاعلين والهيئات المشاركة ووجهات نظرها حول واقع المنظومة التربوية وآفاق تطويرها، وذلك من أجل تشخيص هذا الواقع، وتقديم اقتراحات بشأن المداخل الأساسية للارتقاء بها وبمهامها وإسهامها في تحقيق أهداف المشروع المجتمعي المغربي.

       دمت بخير يا وطني حتى تتعافى نفوس وعقول أبنائك بتعافي المدرسة العمومية !

 كرونولوجيا الخطب و الرسائل الملكية للملك محمد السادس ذات الصلة بمنظومة التربية و التكوين  ( من 1999 إلى 2011:

 

الخطب و الرسائل

أهم المضامين

الذكرى الأولى لاعتلائه عرش المغرب. 

تكتسي قضية التعليم أهمية قصوى لما لها من أثر في تكوين الأجيال وإعدادها خوض غمار الحياة والمساهمة في بناء الوطن بكفاءة واقتدار وبروح التفاني والإخلاص والتطلع إلى القرن الحادي والعشرين بممكنات العصر العلمية و مستجداته التقنية وما تفتحه من آفاق عريضة للاندماج في العالمية .

بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب ، يوم الجمعة 20 غشت 1999.  

الانكباب على ملف التعليم في ضوء مشروع الميثاق الذي أنجزته اللجنة الملكية الخاصة للتربية والتكوين وبالعناية التي هو جدير بها لأهميته في إعداد النشء وتأهيل أجيال المستقبل.

بمناسبة افتتاح الدورة الخريفية للسنة التشريعية الثالثة، يوم الجمعة 8 أكتوبر 1999. 

على الرغم من الجهود المتلاحقة التي بذلت طوال أزيد من أربعة عقود لجعل تعليمنا يواكب مرحلة استرجاع الاستقلال ومتطلبات بنائه فإننا نلاحظ أن الأزمة المزمنة التي يعانيها والتي جعلت والدنا رضوان الله عليه يعين لجنة ملكية خاصة ممثلة فيها جميع الهيآت والفعاليات لوضع مشروع ميثاق وطني للتربية والتكوين.

بمناسبة ذكرى عيد العرش الثاني . 

–          وجوب انخراط جميع المعنيين كل من موقعه في جو من التعبئة الشاملة و التجند الكامل حول أهداف الميثاق بعيدا عن المزايدات والحساسيات قصد تفعيله مجددين التأكيد على قرارنا السامي بإعلان العشرية القادمة عشرية خاصة بالتربية والتكوين و ثاني أولوية وطنية بعد الوحدة الترابية بحيث لا يحل موعد 2010 إلا وقد تقلص بطريقة ملموسة ببلادنا أثر الأمية و التعليم غير النافع.

–          إنشاء مؤسسة للأعمال الاجتماعية لأسرة التعليم.

خطاب عيد العرش لــ30 يوليوز 2002.

 

–          هنالك خطوات كبرى مازالت تنتظرنا في نهج سياسة تعليمية متناسقة . كما أن متابعة وتقييم وإغناء تفعيل إصلاح التعليم تتطلب تعزيز المهام التي تنهض بها ،  بكل موضوعية ونزاهة، اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين ، وذلك في أفق إيجاد جهاز قار يتولى مهام التقييم المتجرد والشمولي للمنظومة التربوية.

–          إعطاء دفعة قوية لهذا الإصلاح بتنصيب مؤسسة محمد السادس للنهوض بالأوضاع الاجتماعية لأطر التربية والتكوين، وبتحسين وضعيتهم.

بمناسبة افتتاح السنة التشريعية 2002-2003. 

 

جعل الملك محمد السادس التعليم النافع من بين الأسبقيات الأربع، بقوله : “… فأنتم مطالبون بالعمل الجدي ، وباستخلاص العبرة من الحملة الانتخابية ، التي جعلتكم تقفون على انتظارات المواطنين ، الذين يتطلعون لحلول ملموسة لمشاكلهم الواقعية الأساسية ، التي ينبض بها قلب كل مواطن ، بدل جعل كل شيء ذا أسبقية ، إنها الأسبقيات الأربع المتمثلة في: التشغيل المنتج ،  والتنمية الاقتصادية،  والتعليم النافع ،  والسكن اللائق”.

 

في الذكرى الخامسة لاعتلاء العرش. 

–          تكريس السنوات الخمس المتبقية لتدارك التعثر في هذا الإصلاح الحيوي، بتعبئة كل الجهود ، لاستكمال الإصلاح الكيفي، لا الكمي فقط، لمنظومتنا التربوية، وتبويء المدرسة المكانة التي تستحقها في المجتمع.

–          تنصيب المؤسسة الدستورية للمجلس الأعلى للتعليم ، ليتولى ، في تركيبة تجمع بين التمثيلية والتخصص ، المهام المنوطة به، كقوة اقتراحية وتقويمية قارة ومتجردة، للإصلاح العميق والمستمر لمنظومة التعليم .

بمناسبة الذكرى السادسة لاعتلائه عرش المملكة المغربية.

 

تنصيب المجلس الأعلى للتعليم كمؤسسة دستورية، للتشاور والاقتراح البناء، والتوقع، والتقييم الموضوعي، لهذا الورش الحيوي.

بمناسبة تنصيب المجلس الأعلى للتعليم بمناسبة انطلاق-الموسم الدراسي2006-2007  

إحداث هيئة وطنية للتقويم، ضمن أجهزة المجلس، ستضطلع بإنجاز تقويمات سنوية لاختيارات ومنجزات منظومتنا التربوية، بغية الإسهام في حسن سيرها وحكامتها والرفع المطرد من مؤشرات جودتها واستشراف آفاقها.

 

 

خطابه بمناسبة الذكرى الخامسة و الخمسين  لثورة الملك والشعب.

 

–          إطلاق عملية وطنية، تهدف إلى إعطاء دفعة قوية لتعميم وإلزامية التعليم الأساسي، ضمانا لتكافؤ الفرص، ومحاربة للانقطاع عن الدراسة. ويتمثل ذلك في منح الكتب والأدوات المدرسية، لمليون طفل محتاج، غايتنا دعم الأسر المعوزة، في مواجهتها لتكاليف الدخول المدرسي.

–          تمويل هذه العملية أساسا، على الاعتمادات المرصودة للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، فضلا عن مساهمات السلطات والمؤسسات المعنية، والجماعات المحلية، والهيآت والجمعيات ذات المصداقية.  

خطـاب العرش لسنة 2009.

 

الإصلاح القويم لنظام التربية والتعليم والتكوين، يشكل المسار الحاسم لرفع التحدي التنموي. فعلى الجميع أن يستشعر أن الأمر لا يتعلق بمجرد إصلاح قطاعي، وإنما بمعركة مصيرية لرفع هذا التحدي الحيوي.

خطاب العرش لسنة 2010 .

 

السياسة العمومية في قطاع التعليم، تستنزف مجموعة من الإمكانات المادية بدون أن تحقق عائدا لثرواتنا البشرية، مما سيعيق عملية الإقلاع المعرفي.

افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية الثامنة (2011).

توفير التعليم النافع، بالإصلاح العميق لمنظومة التربية والتكوين، والانخراط في اقتصاد المعرفة والابتكار، مفتاح تقدم المغرب”.

خطاب 20 غشت 2012 بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب.

ينبغي إعادة النظر في مقاربتنا٬ وفي الطرق المتبعة في المدرسة٬ للانتقال من منطق تربوي يرتكز على المدرس وأدائه٬ مقتصرا على تلقين المعارف للمتعلمين٬ إلى منطق آخر يقوم على تفاعل هؤلاء المتعلمين…

 

خطاب 20 غشت 2013 بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب.

الوضع الراهن لقطاع التربية والتكوين يقتضي إجراء وقفة موضوعية مع الذات، لتقييم المنجزات، وتحديد مكامن الضعف والاختلالات، ، و الابتعاد عن إخضاع تدبيره للمزايدات أو الصراعات السياسوية.

 www.tarbawiyat.net

 

ذ. الحبيب استاتي زين الدين،

باحث بكلية الحقوق، مراكش.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: