Posted by: tarbeyawatakwin | أكتوبر 22, 2013

هل نحتاج إلى ثورة للحسم في إشكالية اللغات داخل المنظومة التربوية المغربية؟


الحروف الأمازيغية letter amazigh alphabets1-     الخيارات اللسانية للسياسات التربوية المغربية

لقد كانت الخيارات اللسانية التي اعتمدتها الدولة المغربية منذ الاستقلال خيارات مؤسسة منذ البداية على تغييب اللغة الأمازيغية بشكل كلي من المدرسة المغربية؛ إذ استناداً إلى المبادئ التي اعتُبرت حينها وطنية (التعريب والتوحيد والمغربة والتعميم) مُنحت للغة العربية وظيفة الإحالة على المرجعيات الهوياتية والدينية والبلدية والقومية مع انفتاح متدرج على الوظيفة الناقلة التي ظلت تضطلع بها اللغة الفرنسية من حيث نقل المعارف العلمية والتكنولوجية إلى جانب الوظيفة الاقتصادية التي لم يكن للعربية أن تضطلع بها في جميع الأحوال. لقد كان القرار سياسياً وذلك بالمعنى الذي أُريد به نقل العربية من وظيفتها التقليدية التي ظلت تضطلع بها لقرون (الإحالة على المرجعية الإسلامية) لكي تُصبحَ لغة الهوية المغربية ولغة القومية العربية ولغة العلوم والتكنولوجيا. وكما عبّر عن ذلك كرونكيوم فإن الفاعلين السياسيين بالمغرب أرادوا، وهم المتأثرون حتى النخاع بإيديولوجية القومية العربية والإسلام السياسي، أن ينقلوا الوظائف الهوياتية للغة الأمازيغية إلى اللغة العربية بل ويحولوا هذه الأخيرة من لغة القرآن إلى لغة علمانية تضطلعُ بنفس الوظائف الناقلة التي ظلت تضطلع بها اللغة الفرنسية إبان الحماية.

 

وإذا كانت كل المجهودات التي بُذلت في هذا الإطار، سواء على الصعيد الوطني أو على صعيد الدول التي جعلت منها لغة رسمية، قد نجحت في زحزحة عربية القرآن عن وظيفتها الأساسية (الإحالة على المرجعية الإسلامية)، وجعلتها، كما عبّر عن ذلك عبد السلام ياسين، “لغة ركيكة المباني، مترجمة المعاني، فاسدة النحو، قعيدة الصرف، ما بينها وبين لغة القرآن المبينة من قرابة إلا صلة اللفظ والحرف”، فإن هذه المجهودات وما تلاها من ثمن باهظ أدته هذه اللغة على مستوى التضحية بروحها الإسلامية (جاك بيرك) وتحولها إلى “جسم تسكنه روح دخيلة تتململ لاييكيتها وتتخبط المسكون” (عبد السلام ياسين)؛ أقول رغم كل هذا “المجهود” فإن اللغة العربية المُعدّلة لم تتمكن أبداً، كما عبّر عن ذلك عبد العالي بنعمور، من ردم تلك الهوة الشاخصة بينها وبين الدارجة المغربية وتتحول بالفعل إلى لغة علمانية كما أراد لها عرّابوها منذ بداية الاستقلال إلى اليوم.

إن هذه الهوة الشاخصة بين عربية القرآن وعربية الدارجة (وكذا انفصالها عن الأمازيغية) قد جعلها غير قادرة عن أن تضطلع بدور لغة المدرسة ليتمثل المتعلمون (ـات) بها مختلف المعارف والمهارات والكفايات؛ كما أن التدخّل الإرادوي لتطويعها في اتجاه النموذج اللغوي الفرنسي قد جعلها تبتعدُ بشكل مثير عن نموذجها الأصلي القرآني وتعجز عن أن تضطلع بدور لغة الدين وتتمثل الروح التي عبرت عنها اللغات المحلية لقرون طويلة.

 

2-     من تراكم العجز اللساني إلى إعادة بناء الطبقية اللسانية

إن اللغة العربية القرآنية، تاريخياً، ورثت – للأسف- عجزاً فظيعاً على أكثر من مستوى؛ وهو عجزٌ، إذا تأملناه، لا يتصل أبداً بإمكانياتها الذاتية (البنيات، المعجم إلخ ) أو بالوظائف التي يُمكن أن تقوم بها في مختلف المجالات؛ ولكن يتصلُ أساساً بالواقع السوسيو- لساني المتعدد وبالوظيفة الإيديولوجية التي أُنيطت بها؛ أي وظيفة تدميرها للأمازيغية وبناء مغرب عربي موحّد يستلهم قيمه من قيم الشرق القومي؛ وهكذا فإنه نتيجة لتغيير وظيفتها التاريخية واعتماد رؤية اختزالية عن الهوية ممعنة في قتل الخصوصيات التاريخية، ستراكم هذه اللغة أكثر من عجز:

–       عجزٌ على مستوى محيطها السوسيو- لساني من حيث أن النخب المتحكمة لم تنتبه أبداً إلى أن الواقع اللغوي المغربي واقع متعدد وتهيمن عليه كل من العربية الدارجة والأمازيغية؛ مما جعلها (أي النخب) تنظر إلى هذا الواقع بوصفه واقعاً شاذاً يجب إزالُتُه من الوجود عن طريق المدرسة كي يتلاءم مع صفاء العروبة؛

 

–       عجزٌ على مستوى فهم هذا الواقع من حيث تحديد الوظائف بالنسبة لهذه اللغة وبالنسبة لباقي اللغات الأجنبية في سياق وطني متعدد وسياق عالمي مفتوح على اللغات الناقلة الكبرى (véhiculaires)؛ مما جعل الرهانات اللسانية بالمغرب تتحول من رهانات بناء “الوحدة العربية” ونقل مضامين اللغة الفرنسية للعربية، إلى رهانات ذات طبيعة “طبقية” يُعاد من خلالها إنتاج النخب المهيمنة مع إمكانية مواصلة “قتل” الأمازيغية؛

–       عجزٌ على المستوى التربوي والمعرفي، وهو الأخطر، من حيث أن هذه النخب لم تتمثل أبداً أهمية استثمار اللغات الأم في تجويد اللغات والمعارف والمهارات داخل المنظومة التربوية المغربية. إذ نتيجة للعمى الإيديولوجي الفاقع والجهل الممأسس، وللرهانات النخبوية الأنانية (إعادة إنتاج النخب المفرْنسة)، لم يعد المخططون يرون بأم أعينهم الثرى اللغوي المغربي إلا بوصفه عائقاً يقف في وجه إمكانيات توسيع رقعة انتشار العربية الفصيحة “المُعلمنة”.

 

ولذلك فإن جميع الدعوات، منذ الاستقلال إلى اليوم، ظلت تؤكد على مسلّمتين اثنتين، أولاهما: التقريبُ ما أمكن بين عربية القرآن وعربية عامة الناس من خلال رفع هذه الأخيرة إلى مستوى الأولى (دعوات علال الفاسي، محمد عابد الجابري، عبد القادر الفاسي الفهري إلخ)؛ وهي دعوة صريحةٌ إلى القطع مع لغة القرآن مع ما يتمخض عن ذلك من قطع مع التراث الإسلامي وتمحّلٍ لاستبدال مضامين هذا التراث بمضامين الفكر الغربي؛ وثانيهما: تعريب جميع المغاربة لساناً وفكراً بما يمكن من “قتل” اللغة الأمازيغية وقيمها “البربرية” (إذا استعدنا تعبير الجابري) وبناء دولة موحدة تابعة للأمة العربية تستعمل نفس اللغة وتمارسُ بها نفس وظائف اللغات اللائكية بما في ذلك تحقيق الوحدة القومية من المحيط إلى الخليج.

وللأسف فإن المسلَّمتين ظلتا تُخفيان دائماً الرهانات “الطبقية” التي أشرنا إليها، والتي تتلخص، من جهة، في تعريب الشعب لخلق أمة عربية قومية تعيشُ في الحضيض اقتصادياً واجتماعياً ولا أمل لها في الترقي باعتماد اللغة العربية، وتتلخص، من جهة ثانية، في إعادة إنتاج النخب الحاكمة والمتحكمة في اقتصاد البلاد من خلال تقديم تعليم لها مفرنس ومنفتح على اللغة الإنجليزية.

 

3-     مدرسة مغربية ضد المجتمع المتعدد

هكذا، إذن، سوف تتحول المدرسة المغربية منذ 1956 من فضاء للتعلم واكتساب المعارف والكفايات والمهارات إلى فضاء لممارسة أسوأ الجرائم كما عبر عن ذلك رولان بارت؛ تلك الجرائم التي من نتائجها اليوم اختفاء تراث لغوي وثقافي وحضاري عريق أبرزتهُ بشكل جلي الدراسات التي قامت بها اليونسكو وأخرجتها لنا في أطلسها المنشور سنة 2008؛ وللأسف فإنه لم يتم الانتباهُ أبداً إلى أهمية اللغات الأم في التنمية وفي تحقيق التوازن النفسي والاجتماعي والهوياتي وكذا في تجويد تملك المعارف واللغات غير الأم والأجنبية، وهذا رغم كل الدراسات العالمية المقامة في هذا الصدد؛ فلقد أعمت القرارات الإيديولوجية والعرقية المؤسسة على المبادئ الأربعة عيون الوطنيين وسدت في وجوههم كل منافذ التفكير الموضوعي والعلمي وجعلتهم أسرى للمدرسة “القومية” التي ظلت لأكثر من خمسين سنة خارج المجتمع بل وضده؛ فأساءوا بذلك إلى لغة الأمازيغ تماماً كما أساءوا إلى اللغة العربية؛

وحتى في الميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي طبّلَ له الكثير من السياسيين والتربويين والإيديولوجيين لم ينتبه أحد منهم إلى حقيقة أهمية اللغات الأم في تجويد التعلمات؛ تلك الحقيقة التي أصبحت تؤكد عليها كل الدراسات التربوية الحديثة منذ بدايات القرن الماضي؛ لقد ظلوا –للأسف- حبيسي النظرة التربوية اليعقوبية للقرن التاسع عشر حينما كان رجال التربية ونساؤها، ومعهم الفاعلون السياسيون، يعتقدون أن تعدد اللغات في المدرسة يؤدي لا محالة إلى تخلف وهدر مدرسيين وأن اللغات المحلية تهدد الفكر الراقي والمتنور وتؤدي إلى بعثرة الأمة وتشتتها (النموذج الفرنسي)

 

لقد صمّت النخبُ المتحكمة والمؤدلَجةُ آذانها وجعلت على أعينها غشاوة وأدارت ظهورها لكل العلوم الحديثة تماماً كما أدارتها لقيم التعدد والديموقراطية والتسامح فكرست للواحدية في المناهج الدراسية بل وفي أحيان كثيرة لقيم الحطّ من كل ما يتصل بحضارة الأمازيغ؛ وإلى حدود العشرية الأخيرة من الألفية الماضية تفتقت عبقرية اللجنة المكلفة بكتابة الميثاق الوطني للتربية والتكوين عن فكرة “الاستئناس” الذائعة الصيت، والتي تتلخصُ في الدعوة إلى استعمال الأمازيغية في السنتين الأولى والثانية من التعليم الابتدائي بهدف ترسيخ تعليم اللغة العربية عن طريق

الاستعانة بها في بعض المناطق الناطقة بالأمازيغية؛

ورغم أن هذه الدعوة تم الترويج لها سياسياً على المستوى الإعلامي لمواجهة الجمعيات والفعاليات الأمازيغية التي كانت تناضل من أجل تعليم عادل ومتعدد ومتجذر في التربة المغربية، إلا أن   الدولة، مع ذلك، لم تباشر أبداً صياغة هذه الدعوة (دعوتها) وإخراجها في شكل منهاج وقرار سياسي، بل إن الوضع ظل على ما هو عليه إلى حدود سنة 2001، أي عندما أعلن الملكُ محمد السادس في خطاب أجدير اعترافهُ الرسمي بالأمازيغية لغة وثقافة وحضارة، ودعا إلى تعزيز مكانتها “في المجال التربوي والاجتماعي والثقافي والإعلامي الوطني”، حيث نص الظهير المحدث والمنظم للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية على ضرورة النهوض بها بما “يُسهل تدريسها وتعلمها وانتشارها ويضمن تكافؤ الفرص أمام جميع أطفال بلادنا في اكتساب العلم والمعرفة ويساعد على تقوية الوحدة الوطنية” (المادة السابعة من بيان الأسباب الموجبة).

 

4-     المدرسة التي ضد المجتمع: نتائجٌ كارثية وإصرارٌ على نفس الخيارات

وللأسف فإنه منذ سنة 2003، أي سنة الإعلان عن البدء في إدراج اللغة الأمازيغية، لم تتمكن أي حكومة من الحكومات المتوالية من تحقيق الحد الأدنى من هذا الإدراج؛ لقد كان هناك إصرارٌ على أن لا يتحقق أي شيء للأمازيغية؛ ولذلك ظلت تسوّفُ سنةً بعد أخرى إلى أن وصلنا سنة 2008 حيث خرج علينا المجلس الأعلى للتعليم بالتقرير الكارثة؛ ذلك التقرير الذي أكد أن 50 في المائة من التلاميذ لا يتمكنون أبداً من الوصول إلى نهاية التعليم الابتدائي؛ وأن قرابة 390.000 من التلاميذ يغادرون كل سنة أسلاك الدراسة؛ وأن 13 عشر تلميذ فقط من أصل 100 مسجلين في الابتدائي يصلون إلى الباكالوريا؛ بل وأن ثلاثة (03) فقط منهم لم يكرروا السنة طيلة مسارهم الدراسي. ومن هذه النتائج الكارثية أيضاً أن نسبة كبيرة من هؤلاء المتعلمين يعانون من نقص كبير في التحكم اللغوي سواء باللغة العربية أو باللغة الفرنسية؛ فلا يقدرون على التعبير بهما كتابة وشفاهة، بل ويراكمون بهما عجزاً خطيراً على مستويي القراءة والفهم.

 

وهنا لابد من الإشارة إلى أن عدم إتقان اللغات معناه ببساطة عدم تمثل المعارف، وعدم تمثل مختلف المهارات والكفايات؛ كما أن لهذا العجز اللغوي آثارٌ سلبية على تمثل القيم بما فيها “قيم الحقوق والواجبات والمواطنة” (تقرير المجلس)؛ والأسوأ في كل هذا أن كل المنقطعين عن الدراسة يعودون بسرعة مذهلة، أي بعد أربع سنوات فقط، إلى الأمية. إذ نتيجة لعدم تمكنهم من اللغات المُدرَّسة، وتهميش لغاتهم المحلية، يجدون أنفسهم خارج كل تأطير مؤسساتي إلا ما تعلق بدروس محو الأمية التي تُباشَر باللغة العربية الفصحى والتي لا هدف لها – مرة أخرى- إلا التأكيد على نفس مفاهيم التعريب التي تمَّ تكريسُها، باسم الدين، منذ 1956؛

وهل لنا أن نذكِّر أن كل الدول التي تحترم نفسها في العالم لا تباشر سياسات محو الأمية الوظيفية إلا باللغات الأم، لأن هدفها من مباشرة هذه السياسات ليس هو تعليم لغة جديدة (وهو أمرٌ مشروعٌ وله استراتيجياتُه الخاصة) ولا هو تغييرُ هويات شعوبها (وهو أمرٌ غير مشروع البتة)، ولكن الهدف الأساسي هو إدماج هذه الفئات الهشة في الدورة التنموية الوطنية اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وسياسياً إلخ هكذا، إذن، أهدرنا الملايير من أجل هدر غنانا الثقافي واللغوي والحضاري وما زلنا نهدر ملايير أخرى من أجل هدر طاقاتنا البشرية التي تخرُج بدون أن تتمكن من امتلاك لا لغاتها الوطنية ولا لغات الانفتاح.

 

5-     انتقام اللغة الأم من المدرسة المضادة للغات المجتمع

نعم لقد كان لانتقام اللغة الأم أثره على المنتوج التربوي الذي أنتجته لنا المدرسة الوطنية؛ وقد كان انتقامُها فظيعاً؛ ولكنه انتقامٌ مسّ، مع كامل الأسف، القلب النابض للبلد؛ لقد مسّ الملايين من المتخرجين الذين وجدوا أنفسَهم خارج الدورة الرمزية لانتمائهم الوطني والذين تلقفتهم التيارات الدينية والقومية المتطرفة؛ ووجدوا أنفسهم أيضاً خارج الدورة الرمزية العالمية من حيث عدم تملكهم للغات العصر؛ أي أصبحوا بدون ذاكرة وبدون حاضر ومستقبل؛ وهي حالةٌ تشبهُ، إلى حدّ ما، حالةَ ذلك الضابط المغربي من الأصل الأمازيغي الذي درّسَ أبناءهُ في أحسن مدارس البعثات الأجنبية، وعلّمهم اللغات الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والعربية؛ لكنه أغفل تعليمهم اللغة الأمازيغية التي كان يحتقرها؛ ولما بلغ من العمرِ عُتياً بدأت ذاكرتُه اللغوية السطحية في الزوال، فنسي الفرنسية والعربية اللتين تعلمهما في كبره وأصبحَ عاجزاً عن التواصل بهما معهم، ولم تبق عالقة بذهنه العميق سوى اللغة الأمازيغية، أي اللغة الأولى أو اللغة الأم التي رضعها مع حليب أُمه؛ وعبثاً حاول أن يرطن بها أمامهم طالباً المساعدة؛ لكن الأبناء لم يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً؛ لقد كان يعبر لهم فيها عن أحزانه وآلامه وأحاسيسه فلا يفهمون؛ مما جعلهُ يدخل في حالة كآبة عميقة دفعت الأبناء إلى البحث لهم عن مدرسة ليتعلموا الأمازيغية.

 

هكذا، إذن، تكون اللغة الأم قد انتقمت من الأب الذي حرم الأبناء من تعلم لغة أجدادهم؛ فقد عادت إليه في أرذل العمر لكي تُشعرَه بالخطأ الفظيع الذي ارتكبه؛ عادت إليه لتُذكرهُ باحتقاره لها، ولتؤكد له أن ذاكرته العميقة ليست هي لغات الدنيا ولكنها لغة الأمومة؛ تلكَ اللغة التي فُرضَ على الأبناء تعلمها في الكبر  كي يتمكنوا من ربط ماضيهم بحاضرهم ومن تأكيد بنوتهم لأبوته؛ وهنا لابد من الإشارة إلى أن منظومتنا التربوية التي استهانت واحتقرت الأمازيغية قد تعرّضت بدورها لهذا الانتقام؛ إذ بتهميشها وعدم إدراجها في المؤسسات التعليمية ستتعرّضُ هذه الأخيرة لنفس المصير؛ فلا هؤلاء الملايين الذين تخرجوا (دون الحديث عن الذين تعرضوا للهدر) يتقنون لغاتهم الوطنية ولا هم يتقنون اللغات الأجنبية؛ ولذلك فإنهم بقدر ما أضاعوا ماضيهم وحاضرهم (التواصل مع تراثهم

الحضاري) أضاعوا مستقبلهم (التواصل مع العالم)؛

إن تقرير المجلس الأعلى للتعليم المشار إليه آنفاً كان واضحاً في تحديد العديد من أسباب هذه الكارثة التعليمية؛ ومن تلك الأسباب، مثلا، تلك التي عبر عنها بـ “محدودية انسجام المضامين مع خصوصيات الفئات المُستهدفة”؛ أو بـ “محدودية العرض التربوي” من حيث عدم “مراعاة الخصوصيات المحلية” (التقرير)؛ وهكذا فإنه بالرغم من أن الدولة قد قررت رسمياً إدراج الأمازيغية في المنظومة التربوية منذ سنة 2001، إلا أنه إلى حدود 2008، أي سنة إصدار التقرير، لم تعمل أبداً على تعميمها أفقياً وعمودياً، فظلت ضعيفة إن لم تكن منعدمة في أكثر من 97 في المائة من المدارس المغربية؛ والأدهى من ذلك أنها بدأت في الانحدار بشكل مأساوي منذ سنة 2007، أي بعد أن برُد الحماسُ الذي أثارهُ الخطابُ الملكي بأجدير؛ ولذلك لم تكن الدولةُ تولي أي اعتبار للغة الأم، أي للغة الأمازيغية، في تجويد التعلمات، فظلت الخصوصيات المحلية مقصاةً بشكل أو بآخر من المناهج الجهوية

،

تماماً كما ظلت اللغة الأمازيغية مقصاةً من كل المشاريع المستعجلة وغير المستعجلة؛ وطيلة هذه المدة، وحتى اليوم لم يُفتح أي حوار وطني أكاديمي جاد عن دور اللغات الأم في تجويد المعارف وترسيخ القيم وتحسين المردودية؛ صحيحٌ أن المجلس الأعلى فتح، منذ ثلاث سنوات، نقاشاً في هذا الإطار، واستدعى إلى ذلك متخصصين من العالم، لكنّه لحد الآن لم يخرج علينا إلا بتلك المواقف الرسمية لأعضائه والتي ظلت تتحاشى دائماً الحديث عن شيء اسمه الأمازيغية؛ وعليه فإن التقرير الذي تمَّ إصدارهُ والذي أشار إلى بعض أسباب الهدر المدرسي لم يصل أبداً إلى القول بأن من بين الأسباب أيضاً هو إقصاء اللغات المحلية.

 

وإلى حدود سنة 2010 ستنشرُ مؤسسة معروفة بأهمية تحاليلها، وهي مؤسسة اليونسكو، تقريراً تؤكد فيه على هذه الحقيقة؛ فقد أشارت في تحليلها، وهي تُقاربُ موضوع التربية بالمغرب، إلى حقيقة تباعُد اللغات الأم (الأمازيغية بالخصوص) عن اللغة العربية الفصحى وعن اللغة الفرنسية؛ كما أكدت على الحقيقة الأخرى التي يتهرَّبُ منها الكثيرون، وهي أن لهذا التباعد أثراً سيئاً على تمثل المعارف والمهارات وبالتالي على الفشل المدرسي. إذ نتيجة للحواجز اللسانية التي تعترض الأطفال منذ سنواتهم الأولى داخل المدرسة، ثم نتيجة أيضاً لتقاليد تربوية قائمة على التلقين واستظهار الماضي،

ونظراً، في الأخير، إلى عدم الاعتراف بالتعدد بوصفه خصوصية مغربية، بل وعالمية فإن النخب المسيطرة لم تفكر أبداً في اتجاه تدقيق وظائف اللغات، مما جعلها تخلقُ بلبلة وظائفية خطيرة على أكثر من مستوى وعلى أكثر من لغة؛ فلا الأمازيغية واصلت وظيفتها التقليدية التي كانت تضطلعُ بها من حيث الإحالة على المرجعيات التواصلية والبلدية vernaculaire والمرجعياتية أو الهوياتية ولا العربية استمرت في الإحالة على مرجعياتها الدينية ولا الفرنسية ظلت أداة للانفتاح وتحقيق الوظائف الناقلة؛ لقد أصبح المغاربةُ لا يتقنون أي لغة؛ وهي سياسة تمّ التخطيطُ لها بإحكام حتى تواصل النخبُ المتحكمةُ هيمنتها على السلطة والاقتصاد والمجتمع؛ إذ في الوقت الذي يُرسل فيه أبناء العائلات المتحكمة أبناءهم إلى مدارس البعثات وإلى المعاهد والجامعات الفرنكفونية والأنكلوفونية مع ما يواكبُه ذلك من تخريب للذاكرة الوطنية يتمُّ التعريبُ الإيديولوجي في المؤسسات التعليمية العمومية.

 

وللأسف فإنه إلى حدود سنة 2009-2010 ظلت حكوماتنا الموقرة تفكر بمنطق 1956؛ إذ في عز الخطاب الملكي المعترف باللغة الأمازيغية وبالحضارة المغربية في تعدد مصادرها ومكوناتها ستُقدِّم لنا، في إطار المخطط الاستعجالي، مقترحاً لتعميم التمدرس ما قبل-مدرسي ولتجويد التعلمات؛ وبطبيعة الحال فإن الهاجس الذي ظل يلحُّ على واضعي هذا المخطط -مرة أخرى- هو الكيفية التي يمكن بها اقتلاع الأطفال ذوي الثلاث أو الأربع سنوات من تربتهم اللسانية العائلية والقذف بهم في أتون عربية فصيحة ولمَ لا في أتون فرنسية أخذت قيمتُها تتراجع في الأسواق العالمية؛ لقد كان هدفُهم (ولا يزال) ليس هو احتضان هؤلاء الأطفال واستقبالهم في لغاتهم الأم بهدف ضمان استمرارية العلاقة الشعورية بين المحيط المدرسي والمحيط الأسري وتحقيق الطمأنينة اللسانية بما يكفل لهم تمثل المفاهيم ومنهجيات التفكير واكتساب المعارف والقدرات والكفايات الملائمة لتنمية شخصيتهم (المعرفية cognitive والوجدانية affective) وجعلهم قادرين على التمكن من اللغات الثواني والثوالث كما تنص على ذلك الكثير من المرجعيات التربوية والحقوقية العالمية؛

بل إن الهدف غير المُعلن عنه هو تدمير اللغة الأم بما تحمله من رموز ثقافية وهوياتية تحددت بها الإنسية المغربية منذ آلاف السنين؛ وبهذا فإن السياسة التعليمية على ضد كل السياسات التعليمية الحكيمة في العالم تتجه عندنا في اتجاه التمكين لمدرسة تعادي المجتمع ولا تعترف بمكوناتها الوطنية الأصلية، بل وترفض الارتقاء بالوعي التعددي لدى أبنائنا في مجالات التنوع الثقافي واللساني الوطني، وتجتهدُ للحط منها بما يجعلهم غير متجذرين في هويتهم الجماعية ويتنكرون لها ولتعدد مصادرها الحضارية.

 

6-     ماذا بعد كل هذا؟

الآن وبعد أن تم الاعتراف الدستوري باللغة الأمازيغية سنة 2011؛ هل تغيرَ شيء؟

إن الذي تغير هو أننا أصبحنا نتحدث عن فصلِ خامس ينص على رسمية اللغة الأمازيغية “أيضاً” وعلى قانون تنظيمي سيحدد مستقبلاً مراحل التفعيل وكيفيات الإدماج في مجالات الحياة العامة ذات الأولوية. كما أصبحنا نتحدث بالموازاة مع ذلك عن إحداث مجلس وطني للغات والثقافة المغربية تحددت مهمتُه المركزية في حماية وتنمية اللغات العربية والأمازيغية ومختلف التعبيرات الثقافية المغربية، ويضم إليه كل المؤسسات المعنية بهذه المجالات. وجاء التصريحُ الحكومي ليضيف إلى كل هذا حديثاً آخر ادّعى فيه أصحابُه التزامهم بالاقتضاءات الدستورية التي منها اعتماد المنهجية التشارُكية مع الفاعلين في مجال النهوض بالأمازيغية وصيانة كل المكتسبات المتحققة، وجدولة القانون التنظيمي بالشكل الذي يجعلُه أولوية، والتأكيد على مسلمة كون المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية شريكاً أساسياً في إعداد القوانين التنظيمية المتعلقة بالأمازيغية إلخ.

هذا على مستوى النصوص الرسمية والتصريحات والنوايا؛ إلا أننا عندما نعود إلى الأفعال لا نجد أي شيء من كل ذلك. فالأمازيغية رسمية في الفصل الخامس من الدستور لكنها غيرُ مفعَّلة في الواقع، وقانونها التنظيمي (القيد) منصوص عليه في نفس الفصل، لكنه ما يزال ينتظر الذي يأتي ولا يأتي؛ والمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية موجود في الدستور لكن لا وجود له أيضاً في الواقع؛ وادعاء الحكومة في مخططها التشريعي بكونها ستتجاوبُ مع مبادرات ومقترحات المجتمع المدني الأمازيغي وفتح نقاش وطني عمومي معه يكذبُه هذا الواقع العنيد؛ بل والأدهى من ذلك أن الادعاء بكون المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية سيشكل شريكاً أساسياً في إخراج هذه القوانين يكذبُه نفسُ هذا الواقع؛

فهي (أي الحكومة) لم تفتح أي حوار جاد مع المجتمع المدني الأمازيغي، ولم تلتفت أبداً إلى كل المبادرات التي أطلقتها الكثير من الفعاليات الأمازيغية في اتجاه إخراج القوانين التنظيمية؛ زد على ذلك أن أنها لم تأخذ بعين الاعتبار –لحد الآن- ما قدمهُ ويُقدمُهُ إليها هذا المعهد من مقترحات في هذا الصدد؛ لقد همّشت كل الفاعلين الأساسيين وضربت صفحاً عن كل اهتمام بالأوراش التي تم فتحها في مجال الأمازيغية منذ 2001؛ فلا حديث اليوم إلا عن تقهقر في هذه الأوراش (التعليم، الإعلام إلخ) إلى درجة أن الملايين من المحافظ التي وُزعت هذه السنة والسنوات الماضية لم تتجشم وزارة التربية الوطنية أن تضع فيها الكتاب الأمازيغي كما دأبت على فعله مع كتاب اللغة العربية واللغة الفرنسية وباقي الكتب الأخرى.

ولقد كانت آخر الضربات التي وجهتها الحكومة إلى المجتمع المدني الأمازيغي وإلى المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بل وإلى كل مومن بقيم التعدد والهوية الجامعة لهذا الوطن هي أنها همشت هذا المجتمع وهذا المعهد في مشروع القانون المتعلق بالمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي؛ فبعد الخطاب الملكي الأخير الذي انتقد فيه حالة التعليم المغربية سارعت الحكومة إلى مناقشة هذا المشروع الذي ادعت في أحد فقراته أنها ستعمل على “تعزيز التركيبة التعددية للمجلس القائمة على المزاوجة بين التمثيلية والكفاءة والخبرة والتخصص، بشكل يرسخ كون هذه المؤسسة الوطنية تمثل فضاءً لتبادل الرأي المتعدد وللنقاش الديموقراطي المستند إلى الخبرة العلمية حول قضايا التربية والتكوين والبحث العلمي”.

ولكننا عندما نبحث في تشكيلة هذه التركيبة عن معنى التعدد نجدها خالية منه وتتبرأ بشكل واضح من المجتمع المدني الأمازيغي ومن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، إذ لا ذكر لهما في مواد المتن؛ فأي تعددية هذه التي يتحدث عنها المشروع إذا لم تُستحضر كل الأصوات الفاعلة في المجال الأمازيغي، وأي خبرة في التربية وفي اللغة الأمازيغية وثقافتها إذا لم يكن المعهد شريكاً وممثلاً في المجلس؟ إنها -في نظرنا- نفسُ لعبة الحكومات السابقة تتكرر على يد الحكومة الجديدة. لكن هذه المرة تتكرر تحت مظلة الدستور الذي رسَّمَها؛ ولذلك فإن هناك إحساسٌ قوي بكون السيد رئيس الحكومة قد يتنازلُ عن كل اختصاصاته الدستورية إلا ما يتعلق بالأمازيغية. ومؤشراتُ ذلك كثيرةٌ منها أن هناك توجه للبدء أولاً (عند الضغط الشعبي) بإخراج القانون التنظيمي للمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية قبل إخراج القانون التنظيمي الخاص بأولويات اللغة الأمازيغية ومراحلها؛ بمعنى أن الحكومة ذاهبة في اتجاه الاستفراد بإخراج القانون الأخير كي تتمكن، من جهة، من تحييد مؤسسة المعهد التي قد تصبح خاضعة لسلطة المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، وتتمكن، من جهة ثانية، من اتخاذ القرارات “المناسبة” لها من خلال تشكيل تركيبة على المقاس يُخوّلُ إليها سلطة إعطاء الآراء الاستشارية والأكاديمية واتخاذ القرارات المنوطة بها في مجالات النهوض بالثقافة الوطنية وباللغات التي ستعتبرها رسمية ووطنية.

بصراحة شديدة إننا مقبلون على عهد جديد، لكنه للأسف عهد مخيف. فإذا كُنا منذ الاستقلال نعيشُ، على حد تعبير أحمد المعتصم، تعددية لسانية “متوحشة” تنتج “الأمية اللغوية المزدوجة”، وتفترس اللغات الأم بالتقسيط، فإننا قد نصل اليوم، استناداً إلى الدراسات التي قدمتها الكثير من الفعاليات الأكاديمية المتخصصة (أحمد بوكوس، بنرابح، اليونسكو إلخ) إلى مرحلة افتراس الأمازيغية بالجملة ومن خلالها افتراسُ ما تبقى من قيمنا الوطنية الجامعة؛ وكل هذا في عهد الترسيم الذي لم ينزل لحد الآن.

فهل نحتاج إلى ثورة للحسم في إشكالية اللغات بالمغرب؟

نعم إننا نحتاج، أولاً، إلى ثورة نفسية نتجاوز بها عُقدة الدونية التي نحسُّ بها تجاه رموزنا الوطنية؛ ونحتاج، ثانياً، إلى ثورة فكرية نتجاوز بها الكليشهات الإيديولوجية التي رسختها فينا قيمُ التأحيد القومية والدينية؛ ونحتاج، ثالثاً، إلى ثورة ديموقراطية تعددية نتجاوز بها كل التراث السياسي الاستبدادي الذي ما زالت تُكرسُه منظومتنا التربوية والإعلامية.

 عبد السلام خلفي*

*باحث بالمعهد الملكي للثقافة الامازيغية

http://chaabpress.com

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: