Posted by: tarbeyawatakwin | أكتوبر 13, 2013

أي أفق تربوي وبيداغوجي لمغرب المستقبل؟


 لابد من الإشارة إلى أن ما سمي (بإلغاء) (بيداغوجيا) الإدماج كان أمرا ملتبسا لأن المذكرة الصادرة في الأمر تنص مجلاو 132على توقيفها في السلك الثانوي الإعدادي، بينما تترك المجال مفتوحا أمام التأويل في السلك الابتدائي لاقتران الاشتغال بها بمجلس المؤسسة.

لقد كان و ما يزال السؤال مفتوحا حول تبنيها أو إلغائها، وحول ماهيتها ما إذا كانت بيداغوجيا في ذاتها أم لا.

 صحيح أنها خلقت حولها بلبلة بين الرافض لها و القابل بها و المتبني لها و المريد لشيوخها و المستفيد من إمكاناتها …إلخ؛ غير أن الأمر لم يبلغ درجة الحوار الفكري بشأنها، و لربما أنها أصبحت الحل الوحيد والتصور الأوحد بالنسبة للكثيرين من أشياعها و غير مشايعها فبدأ النقد كأنه جرما أو كفرا.

نشير إلى أننا حاورناها منذ 2006 و نشرنا بصددها مقالات كثيرة ، ثم واصلنا نقدنا لها في سنة 2008 و 2009 و 2011/2012 . و الخلاصات الكبرى التي استخلصناها كانت كثيرة. و لعلم القارئ، فإن التفكير التربوي في علوم التربية يتوقف عند تصور كبير يقول بأن التفكير في التربية  يتقاسمه توجهان؛ واحد من بينهما يهتم بالتفكير في التربية مثل فلسفة التربية و سوسيولوجيا التربية و السيكولوجيا من خلال الحقول المعروفة كالتعلم و النمو مهما كانت المدرسة السيكولوجية. و التوجه الثاني يهتم بالتفكير حول التربية و هنا نجد التقويم والاقتصاد التربوي و السياسات التربوية …إلخ.

والباحث في (بيداغوجيا) الإدماج سيجدها من الصنف الثاني لا الصنف الأول للأسباب الفكرية التالية:

أولا: لا تنطلق (بيداغوجيا) الإدماج من أي أساس فلسفي أو سوسيولوجي أو سيكولوجي واضح رغم ادعائها بأنها تنتمي إلى السوسيوبنائية؛ ومعنى ذلك أن براديغمها الفكري سيظل اختباريا تجريبيا بالضرورة: عدة تقويمية تجرب في هذا البلد أو ذاك بنفس الطريقة.

ثانيا: التنميط و الشمولية، وهي خاصية تلازمها أينما حلت وارتحلت ، فهي لا تقيم الفوارق بين البلدان والأطفال و الثقافات ؛ بل تنتج و تعيد عدتها وتصورها الفوق دولتي حيثما كانت. إنها بيداغوجيا فوق دولتية، فوق الأوطان وعابرة للبلدان لا تميز بين هذا وذاك من حيث آلية التقويم والتصنيف التقويمي. وذلك ما جعل المدرسين والمدرسات والمديرين والمديرات منشغلين بملء الجداول والمبيانات، أي تحولوا إلى مصانع للتقويم كما يقول البيداغوجي الفرنسي دوفتشي، بدل الانشغال بالبناء وتنمية الذات والبعد الإنساني والعلائقي و التواصلي والقيمي.

ثالثا: إن هم (بيداغوجيا) الإدماج الوحيد و الأوحد هو التقويم، وهذا معناه أنها لا تمتلك سؤال التربية ولا سؤال البيداغوجيا. فهي لا تعي نفسها كتصور للتربية أو في التربية، و بالتالي لن تكون بيداغوجيا تعمل العلم في التربية، أي تستحضر السيكولوجيا (التعلم والنمو وتنمية الذكاء…) أو السوسيولوجيا (التنشئة الاجتماعية والفوارق وتكافؤ الفرص والأنظمة الثقافية …إلخ) أو الفلسفة ( سؤال الإنسان والمصير والغاية والقيم …إلخ). فنزعتها التقويمية تغيب كل شيء من أجل تصنيف مسبق وضع قبل أن يلج الطفل إلى المدرسة.

رابعا: تقدم بيداغوجيا الإدماج نفسها كإستراتيجية في محاربة الأمية الوظيفية، ومرة تقول بأنها إستراتيجية في تعلم الكتابة والقراءة والحساب، وهي بذلك تصنف نفسها بنفسها في خانة المشتغلين على التسرب الدراسي ومحاربة الأمية. و يتضح ذلك بكونها تضع نفسها كأداة في يد منظمات دولية تشتغل على محاربة الأمية الوظيفية. و قد عينت نفسها كبيداغوجيا للفقراء، كبيداغوجيا لدول لم تعمم التمدرس و لا تتوفر على نظام تربوي قائم.

خامسا: يجعلنا هذا التصور الأخير الذي عينت به نفسها إلى أنها تتلاءم و اقتصاد الهشاشة، هذا الاقتصاد الذي يقوم على l’insertion وليس l’intégration. ولعل هذين المفهومين هما لحمة بيداغوجيا الإدماج.

سادسا: إن الانشغال بالهشاشة والكتابة والقراءة والحساب، والانشغال بالعدة التقويمية والتخطيط الشامل والأحادية والنمطية جعلها تغفل القيم والسؤال حول الإنسان؛ وذلك ما جعلها تتعرى أمام وضعيات قيمية وثقافية وذهنية ومخيالية لأنها ببساطة تنزع نحو المهارة اليديوية والإنجازية القابلة للملاحظة، وبالتالي القابلة للتقويم، وهو ما جعلنا نصنفها ضمن السلوكية الواطسنية الجديدة. فالكائن الذي يتعلم هو في المغرب أو غيره من البلدان مطلوب منه أن يبلغ سلما إنجازيا معينا لتحكم عليه هي بالتعلم.

سابعا: ما يلاحظ أن (بيداغوجيا) الإدماج لا تعير اهتماما بالنمو و لا بالذكاءات المتعددة و لا باستراتيجيات التعلم لدى الأطفال و لا بالموقع الاجتماعي و الثقافي الذي ينحدرون منه. كما لا تفكر في المعاقين و لا المتأخرين ذهنيا و لا الذين لا يملكون أي رأسمال ثقافي …إلخ. لقد كان  و مايزال همها هو بناء وضعية تقويمية، وضعية مستهدفة، وضعية إدماجية واحدة موحدة بالنسبة للجميع  حيثما كانوا، وكان العلاج واحدا موحدا.

ثامنا: إن لغة بيداغوجيا الإدماج وجهازها المفاهيمي بعيد عن لغة التربية لأنه يمتح من التدبير والاقتصاد  والهندسة أكثر مما يمتح من النظريات السيكولوجية والسوسيولوجية والفلسفية. فأنت تجد لغتها تتحدث بحيادية عن المعرفة واللغة والقيم، كما تجعل المعرفة والأشخاص موارد كباقي الموارد العينية …إلخ. ولعل هذا الجانب وحده يجعلها موضوع تأمل فكري يعري عن وجهها اللاتربوي واللابيداغوجي بشكل عام.

تلكم أهم انتقاداتنا لها منذ 2006 إلى اليوم. فكم كلفتنا هذه الآلة التقويمية؟ وماذا كلفتنا بالتحديد؟ إن التكلفة في التربية على وجه التحديد ،كما يقول كانط، تكون زمنية، أي أن زمن التكلفة هو زمن مستقبلي. هل كان المغرب حقل تجربة؟ هل كان أبناء المغرب فئران واطسن؟ من نحن المغاربة ونحن نتبنى (بيداغوجيا) الإدماج؟ عن أي مستقبل تربوي نتحدث ونحن نشتغل بها؟ عن أي إنسان مغربي نتحدث ونحن نجعلها جزءا من تصوراتنا للمغربي؟…إلخ

إن التكلفة لن يجيب عنها الافتحاص لأن هناك زمن ضائع لا يدخل في خانات الافتحاصات إلا إذا كان للمسؤول وعيا بالزمن وبالمستقبل معا. وبناء عليه فإن الافتحاص لن يرد الزمن الضائع و لن يجعل المغاربة يعون المستقبل بوعيهم للقضية التربوية والبيداغوجية.

يبدو لي أنه من ملامح الوعي بمصير المغرب، بمستقبل المغرب هو الاستدراك، استدراك الزمن الضائع لنلج الحاضر في حاضريته و المستقبل كزمن آت يمحو الحاضر و يعطيه معنى، وهو ما يغيب غيابا كليا منذ أن (ألغيت) هذه (البيداغوجيا). وبلغة أخرى إن زمن ما بعد (بيداغوجيا) الإدماج لم يكن ملحا و كأن المغاربة ينتظرون الإله المخلص ليوحي لهم بحل بيداغوجي جديد. إنهم ينتظرون، يقفون، يتوقفون دونما طرح السؤال: أي حالة بيداغوجية نحن عليها الآن في مؤسساتنا التعليمية و التكوينية و التفتيشية؟ ودون البحث عن المسؤول عن حالة الانتظار الكبرى هاته فإن السؤال حول المستقبل البيداغوجي لم يطرح بعد. فمنا من ينتظر كعادته ومنا من لا يبالي بخطورة الأمر ومنا يحارب الديناصورات بسيوف خشبية ومنا من يغترب في الحدائق، وحده الوطن ينتظر المحاربين من أجله.

وخلاصة القول فإن غياب المستقبل التربوي والبيداغوجي يعني غياب الإنسان الذي نريده، بل غياب الإنسان المغربي. وانبعاث المستقبل التربوي والبيداغوجي  لا يكون إلا بحوار بين مفكري ومفكرات وباحثي وباحثات المغرب، فهؤلاء وحدهم هم من يعرف لماذا ينبغي أن نكون مغاربة وأن يكون  للمغرب مستقبلا.

لا يمكن بأي حال من الأحوال الحديث عن (بديل) بيداغوجي في المغرب هكذا بجرة قلم، وبتسرع دون تأمل و تفكير عميق ونقاش أكاديمي ومعرفي مستفز للجميع. فكل حديث عن البديل البيداغوجي  دون تفكير طويل و عميق سيجعلنا نكرر أخطاء الماضي المتراكمة منذ عقود، بل سيجعل أمر البديل البيداغوجي كما لو كان سلعة تقتنى اقتناء كالأكلات الجاهزة والبناءات المفككة، ومن جانب آخر فإن أي حديث عن البديل البيداغوجي لا يطرح ضمن تصور تربوي إشكالي فلسفي عام سيختزل الأمر في الفهم التقنوي والتبسيطي والاختزالي  للقضية البيداغوجية، إن لم يكن  هذا التصور الأداتي بالذات هو السائد في المغرب منذ بيداغوجيا الأهداف وصولا إلى (بيداغوجيا الإدماج).

 إن ما تغافلته التصورات البيداغوجية (إن وجدت) في المغرب منذ عهد بيداغوجيا الأهداف إلى اليوم هو البحث عن التصور الفلسفي والإبستيمولوجي والبراديغمي الذي تستند إليه هذه البيداغوجيا أو تلك كي تتملكها من جهة الأسس والخلفيات والأفق و الغاية والجانب الابيستيمولوجي.

لقد جعل هذا الغياب أو هذا  الفهم التقني من البيداغوجيا – كيفما كانت هذه البيداغوجيا- مجرد تقنية أو أداة محايدة تكون في متناول الجميع، و بالتالي يمكن نقلها من مفتش(ة) إلى غيره، ومن مكون(ة) إلى غيره، ومن مكون(ة) إلى طالب(ة) أستاذ(ة) وهكذا دواليك.

وبالإجمال يمكن نقلها من هنا إلى هناك بيسر و دون عناء كما تنقل الأشياء العينية من مكان إلى مكان. ولعل هذا الجانب هو ما جعل الكثير من المهتمين بالتكوين والتفتيش يتحدثون عن الميدان و أدوات الاشتغال في الميدان كما لو كان الأمر يتعلق بنقل معدات البناء من عارف إلى جاهل و اختزال الذات أو دور الذات العارفة في النقل المحايد و الوساطة النزيهة  بين هذا وذاك. إنه لأمر مؤلم، وإنه لتصور وضعاني مغرق في الحيادية و الموضوعية التي وسمت بدايات القرن التاسع عشر الأوربي، وهو الأمر الذي لا يستقيم و خصوصية المجال الإنساني كما يفهم اليوم في إبستيمولوجيا العلوم الانسانية عامة.

إن هذا التصور المبستر المختزل الأدواتي–إن صح التعبير- والإجرائي حصرا جعل علاقة الذات بالبيداغوجيا علاقة محايدة (أسطورة الموضوعية)؛ أي أن الذات العارفة (ذات المكون(ة) والمفتش(ة) والطالب(ة) والمدرس(ة)…إلخ) لا تعنيها البيداغوجيا إلا كأدوات للاشتغال في لحظة الاشتغال، أو بمعنى آخر أن البيداغوجيا لا تهم المفتش(ة) والمكون(ة) والمدرس(ة) إلا حينما يفتح حجرة الدرس أو ما شابهها، ثم تنتهي علاقته بها حينما يغادرها. وها هنا علينا أن نستحضر أسئلة غاستون باشلار للعلماء، في هذا الباب بالقياس، وهم يتوجهون صباحا إلى المختبر أو يعودون منه مساء (التحليل النفسي للمعرفة العلمية).

إن مثل هذا الفهم السطحي للبيداغوجيا جعل الجميع يستسهلها ويصبح منظرا فيها أو خبيرا في مكاتب دراسية بيداغوجية خاصة (بيداغوجيا الوصفات). والمعنى المقصود هنا هو أن البيداغوجيا تساوي أدوات و إجراءات محددة، وأن إتقانها يعني إتقان تلك البيداغوجيا وبلوغ مرادها. أليس هذا هو واقع حال البيداغوجيا في المغرب منذ عقود من الزمن؟ أليس هذا التصور هو القتل الفعلي للتفكير البيداغوجي بالذات؟ أليست هذه الممارسة هي التي تقف أمام كل تفكير في السؤال التاريخي منذ القرن الثامن عشر: ماذا نعني بالبيداغوجيا؟

ذلك هو التصور الخاطئ الذي ساد المغرب منذ بيداغوجيا الأهداف إلى اليوم. ونكرر هنا أنه تصور اختزالي و تبسيطي وأداتي و وضعي (يقيم الفصل بين الذات و الموضوع، بين الذات العارفة و البيداغوجيا المتبناة)، واختباري لأنه لا يؤمن بالتأمل في الممارسة وفي الذات العارفة والمتلقية، وتجريبي لأنه يمجد الممارسة دون وعي بها، فيجعل الحقيقة في التجربة، في الميدان بلغة الممارسين اليوم. وأما الذات العارفة  لا يهمها وضع ذاتها في منطوق الخطاب والفكر والممارسة، ولا يعنيها كل ذلك لا من قريب ولا من بعيد، لا يعنيها لا وضع الذات ولا وضع المعرفة. وهكذا تصير الذات العارفة ذاتا تايلورية محكوم عليها بالوظيفية المطلقة دون معرفة بما تقوم به ولا تصور لديها للغاية النهائية من وظيفتيها؛ فهي ذات مأمورة من طرف المهندس تقوم بمهام لا تعيها.

إذن، فما الذي جعل ممارستنا البيداغوجية في المغرب اختبارية وتبسيطية وتجريبية  واختزالية و وضعية لا تتجاوز بدايات القرن التاسع عشر في آخر المطاف؟

إن أول سبيل لتلمس الإجابة عن سؤالنا أعلاه  يتمثل في غموض ما نعنيه في المغرب بعلوم التربية. فهذا التخصص وحده كان عليه أن يوضح الالتباسات التي تطال المشكل البيداغوجي في المغرب منذ أن تأسست مراكز التكوين بعامة. ونعني هنا بعلوم التربية تحديدا  فلسفة التربية وسوسيولوجيا التربية والسيكولوجيا وما عدا هذه التخصصات أو الحقول المعرفية الكبرى يكون كل انتماء لعلوم التربية بالتبني لا بالشرعية المعرفية. فهذه التخصصات هي التي تهمها  إشكالات كثيرة منها:  ما معنى التربية ؟ وما معنى البيداغوجيا؟ و لماذا ينبغى أن يرتبط التعلم والتنشئة الاجتماعية أو بناء الذات بالبيداغوجيا والتربية، أو لنقل كما يسميها المفكرون الكبار (كانط، أوغست كونت، دوركهايم …إلخ) أن يرتبط كل ذلك بعلم التدريس أو علم التربية؟

ها هنا كان على الخطاب التربوي والبيداغوجي أن يشتغل على ارتباط البيداغوجيا بالتعلم والتنشئة الاجتماعية، وأن يبين بأن البيداغوجيا تهم الذات المتعلمة في جميع أبعادها  لتنشئة إنسان ما، و بالتالي فإن الخطاب البيداغوجي هو خطاب في الإنسان و ليس خطابا أداتيا اختباريا لا علاقة له بالمدرس(ة) والطفل(ة) والمكون(ة) و المفتش(ة). و بتعبير أدق فإن كل خطاب بيداغوجي هو خطاب في تربية الإنسان في آخر التحليل.

إذن سيكون خطاب علوم التربية هو أن يفتح للذات العارفة إمكانية أن تكون مسؤولة عن الخطاب البيداغوجي والتربوي مسؤولية فكرية وقيمية ومصيرية مادام خطاب البيداغوجيا خطابا في الإنسان. وهذا معناه أن الخطاب البيداغوجي ليس خطابا محايدا، وليس خطابا موضوعيا… إنه خطاب من أجل غاية فلسفية في آخر المطاف مهما كانت خلفيته السيكولوجية أو السوسيولوجية.

فالخلاصة الأولى التي نستخلصها من هذه النقطة أن الخطاب البيداغوجي المتهافت على الحياد والأداتية والنزعة الإجرائية الفجة – الذي يستسهل البدائل البيداغوجية-  لم يكن يعي خلفياته في علوم التربية ولا غائياته وأسسه الفلسفية، ولذلك ساد التبسيط وغابت الاختيارات الفكرية والحوار الفكري وانتعش فكر الهذيان التجريبي واستسهال خطاب علوم التربية.

والنقطة الثانية في تقديرنا لتفسير هذا التبسيط المعمم في الخطاب البيداغوجي منذ بيداغوجيا الأهداف إلى اليوم هو غياب التصور الفلسفي العام للتربية في المغرب. ماذا نعني بتربية الإنسان المغربي؟ ومن أين لنا بهذا التصور؟ وهل كل من نظر لنموذج بيداغوجي ما في المغرب كان يطرح تصورا فلسفيا للتربية؟ و أي فلسفة في التربية  ينبغي أن ترشدنا إلى ذلك؟

يبدو أن السؤال حول التربية ظل غائبا منذ الاستقلال إلى اليوم رغم ما قد يعترض علينا البعض به من وجود بعض الوثائق الرسمية كالميثاق الوطني للتربية والتكوين أو الاجتهادات المعزولة هنا وهناك منذ كتاب الأستاذ الكبير محمد عابد الجابري حول التعليم وصولا إلى اجتهاد الأستاذ محمد بوبكري في فلسفة التربية.

فالملاحظ أن الوثائق الرسمية كالميثاق لم تبلغ درجة كبيرة من النضج الفلسفي لتطرح تصورا لماهية التربية. كما أن الاجتهادات المذكورة ظلت محصورة لأن المطلب الثقافي والسياسي في المغرب لا يحبذ الأطروحات والنقد الجريء، بل لا يستقبل الخطاب الفلسفي في التربية بترحيب وضيافة كبيرين. 

تحدثنا فيما سبق عن ارتباط البدائل البيداغوجية بالتصور التربوي أولا،  وهو ما يعني إيجاد رؤية فلسفية عامة، ثم البحث في ماهيتها التربوية التي تتوافق وفهمنا للدولة أو الوطن؛ وهذا معناه أن التفكير في التربية هو تفكير في ماهية الدولة أو ماهية الوطن. ثم يلي ذلك التفكير في ماهية البيداغوجيا أو الاختيارات البيداغوجية، وما سيترتب عنها من تصورات للمتعلم(ة) و المربي(ة)/المدرس(ة)، ومن برامج ومناهج أو بلغة شاملة الكيريكيلوم بمتطلباته ومستلزماته.

هكذا سنكون أمام تصور استنباطي شمولي يبدأ بالتربية  ليفكر في الدولة/الوطن، والمواطن/الإنسان الغاية، وينتهي به المآل في حجرة الدرس. غير أن هذا التفكير ليس خطيا أو تفكيرا جامدا كما سنرى ، بل هو تفكير دينامي يتغير وفق الحاجات والتطورات عملا بمبدإ التعديل كما يقول إيمانويل كانط، في كتابه عن التربية، لأن التعديل يبيح لمفكري التربية إعادة النظر جذريا في غاياتهم لتكون الغاية الثابتة هي المستقبل و الإنسان و الإنسانية.

إن التصور العام الذي نفترض الانطلاق منه هو أن التربية لا تكون إلا من أجل ألمستقبل أو لنقل إن المستقبل هو أساس التربية، و أن الحاضر ما هو إلا عتبة من أجل المستقبل ( كما يقول سبنسر). فكيف ينبغي أن تكون التربية عتبة لدولة أو وطن في المستقبل؟

تطرح التربية من أجل المستقبل قضايا كبرى منها قضية الماضي والموروث، وهي قضية خاصة ودقيقة تقوم على القطائع. فالمستقبل لا يمكنه أن يكرس الماضي دون انفصال عنه كماض. ثم إن تربية تكرس الماضي هي تربية ترتكن إلى الانغلاق مجسدة في  ماض شعب أو قبيلة أو ثقافة أو عرق. ومن هنا كان لزاما أن تكون التربية من أجل المستقبل هي تهيئ الشعب للمستقبل لا اجترار التربية على العوائد و الاعتقادات والطقوس والذهنيات…إلخ باسم الهوية.

إن أسوأ تربية هي أن تظل المدرسة والمؤسسات التعليمية تجتر الماضي دون أن تعيه، فتقع بذلك خارج منطق التقدم والمستقبل . فالمدرسة المطلوبة هي المدرسة من أجل الحياة كما يقول جون ديوي. فإذا ما درست المهن والحرف فلكي لا تكرر ما قام به الأجداد بصفاء ونقاء، وإنما أن تبين كيف تتطور المهن وتتطور العقليات والحاجات والثقافات لتصبح المهنة موضوع تفكير تربوي يخضع للتاريخ و له تاريخيته. فتربية مثل هذه التربية تستعد لقبول التغير والتطور و الانفتاح على المستقبل على عكس ما تردده الزوايا مثلا من أوراد تتكرر لا زمانيا ولا تخضع لمنطق التغيير و التحول والتبدل، و لا تهيئ الناس لاستقبال التغيير والتحول. فهي أوراد خارج التاريخ لأنها لا تفكر فيما ينبغي أن يكون عليه المجتمع و الإنسان، وما تفرضه الحضارة الإنسانية من تغير وتحول.

يتحدث كانط بخصوص هذه النقطة في كتابه عن التربية عن سيئي التربية، وهو لا يعني المدرس(ة) السيئ التكوين فقط؛ ذلك المدرس(ة) الذي يختبئ في التعليم كالمحارب الفاشل، وإنما يقصد بذلك تربية الآباء للأبناء وجميع المؤسسات التي تجتر تربية ماضوية أو نفعية همها التكيف مع الواقع دون مستقبل.

فمثل هذه التربية تصدر عن أوامر لا تعيها. فالأب يريد من الابن أن يكون نسخة عنه كما هو الحال في الزاوية و المدرسة . وبناء على ذلك فإن التربية من أجل الحياة و من أجل المستقبل ليست تربية لقساوسة يعيدون التاريخ الطاهر، كما أن التعليم  ليس ملجأ لتفريج جحافل الأتباع. 

إن التربية هي المستقبل في تحولاته، مستقبل شعب أو مستقبل دولة أو مستقبل وطن. ومن يتوخى المستقبل عليه أن يبتغي غاية قصوى هي الإنسان. ومن تم تكون الغاية الأساسية الوحيدة هي التربية من أجل الإنسانية كلها.

ولبلوغ ذلك فإن هذه التربية لا تنطلق من تكريس نزوعات عرقية أو دينية أو ثقافية أو حضارية، حتى لا تسقط في اللا إنسانية كالبربرية والوحشية وأسطورة الحضارة المتفوقة والعرق المتفوق و الثقافة المتفوقة …إلخ.

إن التربية من أجل الإنسان والإنسانية يكون تاريخها هو الإنسانية جمعاء، وهي مؤمنة بالتاريخ الشمولي للإنسانية. وهذا معناه أنه لا وجود لشعب أو عرق أو ثقافة كانت تربيتها في الماضي أحسن من غيرها أو هي التربية الوحيدة التي يجب أن تقوم عليها التربية أو هي مثال التربية في جميع الأزمنة.

إن التربية هي تقدم الشعوب نحو الإنسانية و حالما تنتفي هذه الغاية تصبح التربية تربية للمذاهب والأعراق وتباين الحضارات و صراعها.

فالمستقبل الذي يستهدف الغاية الإنسانية في التربية يستحضر التاريخ العام للإنسانية كلها، ويتأمل التجارب الإنسانية في التربية حتى يجد الطريق التي تجعل المستقبل إنسانيا للإنسانية.

هكذا تكون التربية مختبرا تأمليا للإنسانية لأنها تستحضر النسبية و تعددية التجارب والانفتاح على العالم كله وتتنكر لأسطورة الإنسان الكامل.

إن جعل الإنسانية غاية للتربية يعني الاشتغال على قيم إنسانية كبرى تخضع للتعديل الدائم، ومن تم كان من الضروري أن تكون مهمة التربية من اختصاص المفكرين والباحثين في جميع المجالات  لا من اختصاص الحكام. فالمفكرون والباحثون هم من يستطيعون إدراك المستقبل و ما ينبغي أن يكون عليه المستقبل إنسانيا.

غير أن التربية من أجل الإنسانية لا تنفي التربية من أجل بناء الدولة أو الوطن. كما لا تتعارض الوطنية و الكوسموبليت (المواطنة الكونية) حتى لا تنقلب الوطنية إلى شوفينية. وهكذا تتبدل المعادلة من التربية على المستقبل الإنساني إلى تربية على مستقبل وطن إنساني للإنسانية كلها.

يشتق لفظ الوطن من اللفظ اللاتيني pater : الأب، والوطن هو الدولة التي ولدنا فيها أو التي ننتمي  إليها كمواطنين. يقول أحد الدبلوماسيين الفرنسيين في القرن التاسع عشر: إن كلمة الوطن وحدها  تمارس سحرا خاصا. ولا ينبغي لهذا الحب آن يغطي عن الحقيقة والعدالة.

تتأتى الهوية الوطنية نتيجة تطور تاريخي لشعب عوض تطور مبدأ مطلق. فهي شعور يوازي الشعور الديني يتضمن الانتماء والمنشأ و المولد و الانحدار من أرض. إنه الشعور العميق الذي يميز الشعوب، غير القابل للانمحاء لأننا عشنا هنا معا منذ قرون خلت، ولنا نفس الأذواق و مررنا من نفس المحن وعشنا نفس الأفراح و الأحزان.

نستخلص من هذه التعاريف الأولى للوطن أن التربية الوطنية تهم كل مواطن على حدة بغض النظر عن أي اعتبار سوى اعتبار انتمائه للأرض. وفي هذه الحالة فإن التربية الوطنية هي ربط الصلة بين الإنسان/المواطن والأرض والانطلاق منه كأساس أول وغاية  إنسانية.

إن التفكير بالوطن في التربية يتنافى و مفهوم الأمة لعدة اعتبارات منها أن الأمة كما نقرأ في معجم ‘لاروس’ الصغير مشتقة من الكلمة اللاتينية natus  التي تفيد الولادة، وهي مجموعة إنسانية تعيش في الغالب في إقليم تتمتع ببعض الوحدة التاريخية واللغوية والدينية و ربما الاقتصادية ولها إرادة العيش المشترك’. كما يفيد لفظ الأمة مجموعة من الناس لهم نفس اللغة و التقاليد وإرادة العيش المشترك، وليسوا بالضرورة على نفس التراب.

ويشير هذا التحديد الأخير إلى أن لفظ الأمة في لغة السياسيين هو مجموعة من الأفراد لم يتشكلوا طبيعيا وإنما بفضل الأحداث السياسية. كما نجد من بين  الخصائص المحددة للأمة اللغة و الدين و الأصل العرقي و الميراج و التاريخ و الثقافة والأخلاق و الجغرافيا..إلخ. ويرى أحد الدبلوماسيين الفرنسيين من القرن التاسع عشر أن لفظيnation   و nationalité  يرتبطان بشيء روحي بالتحديد.

إذن ما الذي يميز التفكير في التربية بالوطن عن الأمة في حالة المغرب أو لماذا ينبغي التفكير في التربية بالوطن تحديدا؟

الحسن اللحية

أستاذ علوم التربية-الرباط

المصدر:

كتاب، كراسات تربوية، الصادقي العماري الصديق وأخرون، مطبعة بنلفقيه الرشيدية 2013، ص 10.

المصدر: 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: