Posted by: tarbeyawatakwin | أغسطس 10, 2013

البيداغوجيا الفارقية أداة لتحسين جودة التعلمات


د حياة شتواني

توطئة:
تكتسي البيداغوجيا الفارقية( Pédagogie Différencié ) imagesأهمية خاصة في منظومة التربيـــة والتكوين لما تقدمه من إمكانات لتحسين المردودية التعليمية التعلمية، والرفع من مستوى التحصيل، ومحاربة التعثروالفشل الدراسيين ، ودمقرطة الفعل التعليمي التعلمي من خلال المساهمة في تحقيق مبدإ تكافؤ الفرص بين المتعلمين.
كما أنها تعد شرطا ضروريا من شروط بناء الكفايات و تطويرها لديهم، ووسيلة لاسترجاع بريق المدرسة و الثقة فيها والرفع من قيمتها. وبالرغم من ذلك يلاحظ المتتبع للفعل التربوي أن هذه البيداغوجيا لــم تستنبت بعد في حقـــلنا التربوي، إذ إن معظــم المدرسين يضربون عنها صفـحا، و يطوون عنها كشحا في ممارساتهم الفصلية، فلا يتعاملون مع المتعلمين في الفصل الواحد بشكل فارقي ، بل ينظرون إليهم ككتلة متجانسة . مما ينعكس سلبا على جودة التعلمات، ويقلل من جاذبية المدرسة ومردوديتها ، ويعيق كل المحاولات الرامية لإصلاح المنظومة التربوية، وبخاصة طرائق التدريس ومناهجها.
فما مفهوم البيداغوجيا الفارقية؟ وما هي الفروق الفردية التي يمكن أن نلمسها بين المتعلمين؟ وما أهداف هذه المقاربة البيداغوجية؟ وماهي طرق التفريق البيداغوجي؟ وماهي شروط تطبيقها؟ 

1- مفهوم البيداغوجيا الفارقية:
استخدم هذا المفهوم لأول مرة سنة 1973م مع المربي الفرنسي ” لويس لوغران” Louis Legrand في سياق البحث عن آليات جديدة لتطوير التدريس و محاربة ظاهرة الفشل المدرسي. وقد عرف ” لوغران” البيداغوجيا الفارقية بأنها طريقة تربوية تستخدم مجموعة من الوسائل التعليمية التعلمية قصد مساعدة الأطفال المختلفين في العمر و القدرات و السلــــوكات ، و المنتمين إلى فصل واحد على الوصول بطرق مختلفة إلى الأهداف نفسها.
ونستشف من هذا التعريف أن البيداغوجيا الفارقية مقاربة تربوية:
– تقوم على مبدإ تنويع الطرق و الوسائل التعليمية التعلمية.
– تأخذ بعين الاعتبار تنوع المتعلمين واختلافهم من حيث السن و القدرات و السلوكات.
– تتسم بخصوصيتها التفريدية للمتعلم، وتعترف بالتلميذ كشخص له إيقاعه الخاص في التعلم و تمثلاته الخاصة.
– تفتح المجال لجميع المتعلمين في الفصل الدراسي الواحد، لبلوغ الأهداف المنشودة بدرجة متساوية أو ملائمة.
ومعنى هذا أن هذه المقاربة تؤمن بوجــــود فروق فرديــة بين المتعلمين، وتكيف عملية التعليــم و التعلم حسب خصوصياتهم، بغية جعل كل فرد داخل الفصل يحقق الأهداف المحددة له


2- نماذج من الفروق الفردية:
لا مشاحة أن الاختلاف بين الناس أمر طبيعي و فطري، ولا يمكن أن نجد إنسانا يشبه إنسانا آخر في كل شيء. و لو تحقق ذلك لفسدت الحياة و لفقدت حيويتها. وقد بينت العديد من الدراسات النفسية وبخاصة في مجال علم النفس المعرفي أن الأفراد يختلفون في قدراتهم التحصيلية ووتائر تعلمهم ؛ فلا وجود لمتعلمين على حد تعبير” بيرنس” يتقدمان بنفس السرعة في تعلمهما، ويستعملان تقنيات الدراسة نفسها، و يحلان المشاكل بالطريقة نفسهـا، و يمتلكان قائمة السلوك نفسها. فهناك مثلا من الأطفال من يتعلم القراءة و الكتابة بوتيرة سريعة، ومنهم من يجد صعوبة في اكتساب هذه القدرات، و يحتاج لوقت أطول للتمكن من ناصيتها. لذلك كان من العبث كما يقول فيليب بيرنو أن ننتظر من جميع التلاميذ النتائج نفسها. ويعزو ذلك إلى وجود فروق فردية فيما بينهم، يمكننا أن نلمس مظاهرها فيما يأتي:
– الفروق المعرفية و الذهنية ،مثل التمثلات و أنماط التفكير والقدرات الفكرية كالإدراك والاستيعاب والتذكر و التفكير.
– الفروق السيكولوجية ، وتشـمل: القدرة على التكيف، والرغبة والدافعية ،والاهتمامات والاستعدادات، الميولات، وصورة المتعلم عن ذاته، والسمات الـمزاجية كالانطواء والخجـل والجرأة والانفعال والاندفاع و الرصانة.
– الفروق السوسيو ثقافية : وترتبط بالوسط الاجتماعي و الثقافي الذي نشأ فيه الطفل. مثل الفروق في العلاقة بالمدرسة و الأستاذ، والفروق في القيم الضابطة للسلوك، والمعتقدات السائدة، والتاريخ الثقافي للأسرة ، ومختلف قنوات التنشئة الاجتماعية.
وثمة عوامل مؤثرة في هذه الفروق الفردية مثل :العوامل الوراثية، و البيئية، و البيوفيزيولوجية. 
ومهما كانت العوامل المؤثرة في هذه الفروق، فالمدرس مدعو لمراعاتها و تكييف أساليب التدريس وطرائقه و أدواته المتاحة مع خصوصيات المتعلمين ، من أجل ضخ الحياة في العملية التعليمية التعلمية، وإنقاذها من السقوط في النمطية التي قد تولد لدى المتعلمين الملل و النفور من التعلم

.
3- أهداف البيداغوجيا الفارقية:
تروم البيداغوجية الفارقية تحقيق جملة من الأهداف،أبرزها: 
– الحد من ظاهرة الفشل المدرسي، و التقليص من ظاهرة الهدرالتي ذرت بقرنها في منظومتنا التعليمية لتعرقل ما رافقها من إصلاحات.
– ردم الفوارق الفردية بين المتعلمين، و تحقيق مبدإ المساواة فيما بينهم. 
– تطوير نوعية المخرجات.
– تنمية المهارات الشخصية للمتعلم مثل الثقة بالنفس و الاستقلالية و تحمل المسؤولية. 
– إذكاء روح التعاون لدى المتعلمين، و تدريبهم على التواصل الاجتماعي وقبول الاختلاف.
– جعل العملية التعليمية التعلمية تنبض بالحركية و تتدفق بالحيوية.
– إكسابهم الكفايات الأساس التي تجعلهم قادرين على توظيفها في حياتهم العامة.
– تشجيع التعلم الذاتي، وجعل التلميذ فاعلا في بناء الدرس والمعرفة.
– تحسين العلاقة التي تربط بين المدرس و التلميذ، مما يسعف على خلق فضاء مدرسي مريح وآمن، يشعر فيه المتعلم بالارتياح و الرغبة في التعلم. كما أن ذلك يتيح تجنب كثير من السلوكات غير المرغوب فيها داخل الفصل، و التي تعرقل سير الدرس، مثل: الشغب الذي اشتد عوده و صلب في السنوات الأخيرة، و العنف بمختلف أشكاله الذي أضحى لكثير من التلاميذ مرتادا يفزعون إليه، وملاذا يخفون به فشلهم الدراسي

.
4 – طرق التفريق البيداغوجي:
بما أن المتعلمين يختلفون فيما بينهم من حيث القدرات و الميولات و الاستعدادات، و يتفاوتون فيما بينهم من حيث إيقاعات التحصيل الدراسي، فعلى المدرس أن لا يسير على وتيرة واحدة في التدريس، بل إنه مدعو لتنويع المحتويات و الطرائق و الوسائل ، حتى يكيف عملية التعلم مع حاجيات المتعلمين. ومن مظاهر التفريق ما يأتي:
• التفريق في المحتويات المعرفية: تستلزم البيداغوجيا الفارقية تنويع محتويات التعلم داخل الصف الواحد لتكيييفها مع القدرة الاستيعابية للمتعلمين وإيقاعهم التعلمي، من أجل اكتساب الكفايات الأساس. فمثلا إذا لاحظ المدرس أن نصا قرائيا من نصوص المقرر يتسم بنوع من الصعوبة ، يمكن أن يستثمره في الدرس فقط بالنسبة للمتفوقين، بينما ينتقي نصا قرائيا أكثر بساطة بالنسبة للتلاميذ المتعثرين ، على أن تكون الأهداف موحدة. وإذا لاحظ المدرس أن فئة من التلاميذ لم تستوعب موضوعا دراسيا معينا بما فيه الكفاية ،يمكن في هذه الحالة أن يتناول معها فقط عناصره الأساس، بينما يتناول عناصر الدرس كلها مع المتفوقين. ويمكن مثلا أن يقترح على فريق من التلاميذ إنجاز تمارين بسيطة في مكون النحو مثلا ، في حين يقترح على البعض الآخر إنجاز تمارين أكثر تعقيدا.
ونشير في هذا السياق إلى أن المدرس لا ينبغي أن يتعامل مع الكتاب المدرسي ككتاب مقدس ، بل يمكن أن يتصرف فيه بالإضافة و التعديل و الإثراء،ويغير في محتوياته بحيث تستجيب لحاجيات المتعلمين، وتنسجم والكفايات الدراسية المنشودة. 
• التفريق عن طريق الأدوات و الوسائل التعليمية: 
تكتسي الوسائل التعليمية أهمية خاصة في العملية التعليمية التعلمية لأنها تقرب المعاني من أذهان المتعلمين، وتساعدهم على التمثل و الاستيعاب، و توسع خبراتهم، وتعمل على إثارة انتباه المتعلم و تهييئه لاستقبال موضوع التعلم الجديد. كما أنها تضفي على التعلم طابعا مشوقا. والمدرس مطالب بتنويع الوسائل التعليمية لتنسجم مع الأنماط المختلفة للتعلم، لأن المتعلمين لا يستوعبون الدروس بالكيفية نفسها؛ فهناك من يستوعب الدرس عن طريق الوسائل اللفظية كالشروح النظرية المعتمدة على الخطاب اللفظي ،ومنهم من يتعلم عن طريق الإدراك البصري( كالرسوم التوضيحية و الرسوم البيانية و الخرائط و المطبوعات)، ومنهم من يتعلم بشكل أفضل عن طريق الممارسة الحسية( إنجاز تجارب- القيام بزيارات ميدانية- الحركات). 
فتنويع الوسائل التعليمية في الفعل التعليمي تبعا لخصوصيات المتعلمين ، من شأنه أن يرفع من مستوى أدائهم، ويحسن مستوى تحصيلهم الدراسي.
• التفريق على مستوى تنظيم العمل المدرسي:
يقتضي العمل التربوي الفارقي إعادة تنظيم الفصل الدراسي؛ فتارة يتم الاشتغال مع القسم كله لبلوغ الأهداف التربوية نفسها، و قد يشتغل المدرس مع مجموعة كبيرة، ويمكن أن يتجه إلى مجموعة صغيرة، و قد يتجه إلى العمل الفردي


• التفريق على مستوى التدبير الزمني:
يذهب البيداغوجيون ومنهم “كارول” إلى أن المتعلمين لا يتعلمون في المدة الزمنية نفسها، أي على الوتيرة نفسها، فكل واحد منهم يحتاج إلى نسبة معينة من التعلم قصيرة أو طويلة ، وذلك وفق مكوناته ومكتسباته و مؤهلاته. لذلك فالمدرس مطالب بتوزيع الوقت اليومي و الأسبوعي بشكل مرن و متناغم مع مشروعه البيداغوجي، وعليه أن يضحي بجانب كبير من المحتويات الدراسية لتحقيق الكفايات المنشودة، لأن المتعلمين مطالبين باكتساب الكفايات اللازمة، و الوقت لا يجب أن يكون عرقلة في هذا الاتجاه

.

5- شروط تطبيق البيداغوجيا الفارقية:

إن تفعيل البيداغوجيا الفارقية واستنباتها في الحقل التربوي ليس عملية بسيطة الإنجاز، بل يستلزم ما يأتي: 

– محاربة ظاهرة الاكتظاظ التي تعيق كل المحاولات الرامية لإصلاح المنظومة التربوية.

– وضع جداول توقيت تتسم بنوع من المرونة بحيث تتلاءم مع هذه البيداغوجيا؛ لأن جداول التوقيت التقليدية تقف حاجزا أمام تطبيقها، إذ تعرقل التعلمات وتحصرها في وقت محدد. وهذا لا ينسجم وهذه المقاربة التي تدعو إلى تخصيص مزيد من الوقت للمتعثرين لتمكينهم من اكتساب الكفايات الأساس.

– توفيرالوسائل الديداكتيكية الضرورية، والحجرات الدراسية اللازمة.

– تمتيع الممارس التربوي بقدر مناسب من الحرية و الاستقلالية بشكل يسمح له بالاجتهاد في الإعداد للدرس و التخطيط له ، و يسعفه على أداء مهمته على الوجه المطلوب ، و تخفيض عدد ساعات التدريس في الأسبوع بالنسبة إليه ، لأن بيداغوجيا التفريد تستدعي تفرغا كبيرا للمدرس. 

– تجديد تكوينه بحيث يصبح منشطا و موجها لا ناقلا للمعلومات، و تعزيز مختلف تكويناته الأساس منها أو المستمر بالجانب العملي التطبيقي لتأهيله لمثل هذه الممارسات البيداغوجية.

– التقليص من كثافة المقررات الدراسية حتى يتمكن المدرس من تكييف العملية التعليمية التعلمية مع القدرات الاستيعابية للمتعلمين وووتائر تعلمهم.
وعلى الرغم مما قد يبدو من صعوبات أجرأة بيداغوجيا التفريق، فإننا نعتقد أنها مقاربة نشيطة وواعدة تستحق أن تبذل لها الجهود الجماعية ، لما تسهم به من دور فعال و نصيب وافر في تحسين جودة التعلمات.

2012-7 أبريل،

د حياة شتواني

عن موقع http://almoudaris.com

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: