Posted by: tarbeyawatakwin | يوليو 8, 2013

مساءلة المنهاج الدراسي حول ظاهرة الهدر المدرسي بالوسط القروي –


مساءلة المنهاج الدراسي حول ظاهرة الهدر المدرسي بالوسط القروي –

تصميم الموضوع:

souss_plus___________________________300x300_949004110

         تقديم

         إشكالية المفهوم

         الهدر المدرسي في مقاربة المجلس الأعلى للتعليم (سابقا)

         الهدر المدرسي في مقاربة البرنامج ألاستعجالي 2009- 2012

         بطاقة تقنية للبحث

الموضوع – الإشكالية –  مجتمع البحث – العينات – المنهج

 الأدوات –  حدود البحث –  فرضيات البحثimages

الدراسة الأولـى

الدراسة الثانيــة

مناقشــــــــــــــة

الحلـول الممكنـة

1-   تعميم المدرسة القروية الموسعة ذات الحجم الكبير

2-  إرساء مبادئ البيداغوجيا الفارقية الحقيقية

3-  إقامة مشاريع الدعم البيداغوجي على الأساس التعاقدي

    تقديــــــــــــم:

إن العصر الذي نعيشه هو عصر معرفي بامتياز، و للثروة البشرية فيه مكانة مركزية باعتبارها هي التي من شأنها التعامل مع المعلومات و توظيفها للرقي بالمجتمع، في الوقت الذي أصبحت فيه السيطرة على المعارف مصدرا للقوة و السلطة. و في هذا السياق، أضحى الاهتمام بالرأسمال البشري رهانا للأمم من أجل تحقيق التنمية، و بالمقابل، فإن هدر هذا الرأسمال لا يمكنه إلا أن يحد من إمكانات المجتمــع و يشكل عائقا أمام تطلعه إلى مستوى أرقى في سلم التقدم و التطور . و من البديهي القول إن المدرسة تعتبر المؤسسة الرئيسية التي تمد الفرد بالمعارف و المهارات و القيم التي يفترض أن تخول له الانخراط الإيجابي في بناء ذاته و مجتمعه، وأي تقصير منها في هذا الاتجاه يعتبر إضرارا بالمشروع المجتمعي.

في هذا الإطار، سينصب اهتمامنا على ظاهرة الهدر المدرسي التي لا تزال تنخر جسم المجتمع المغربي إلى الآن، رغم المجهود الوطني الذي تم تسخيره منذ الاستقلال. محور البحث هو السؤال الإشكالي التالي: ما نصيب المدرسة و العوامل ذات الطابع التربوي التعليمي من المسؤولية في استمرار هذه المعضلة و تفاقمها؟ من أجل الخوض في هذا الإشكال، لا بد من البدء بالتساؤل حول مفهوم الهدر المدرسي و حمولته و أبعاده. هل يقتصر على البعدين المعروفين و همــا التكــــــــــرار و الانقطاع؟ أم أن المفهوم يتطلب توسيعا و تمطيطا و مقاربة أكثر شمولا؟ و على هذا الأساس، سيتوجب علينا بعد ذلك أن نسائل عمليا دائرة الأسباب للوقوف على الحجم الحقيقي لكل منها، و على تفاعلاتها و إمكانية كون إحداها بؤرة مركزية يدور حولها الباقي.

و هكذا، و انطلاقا من مجموعة من الفرضيات، سنحاول أن نبني مخططا للبحث يقوم على تبني منهجين هما الوصف و تحليل المضمون، في اتجاه مقاربة السؤال المركزي الخاص بحجم مسؤولية المدرسة عن ظاهرة الهدر المدرسي، مقاربة عملية براغماتية، بغية الخروج بقدر من الخلاصات التي ستشكل أساسا لتقديم مجموعة من الاقتراحات و التوصيات الكفيلة بالمساهمة في معالجة الظاهرة عبر المدخل التربوي.

مجتمع البحث سيقتصر على العالم القروي باعتباره يحظى بحصة الأسد من الأرقام المهولة للظاهرة من جهة، و لكون الدراسة، من جهة أخرى، لا يمكن أن تشمل مجالين (حضري/ قروي) غير متكافئين على مستوى المحددات الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية التي، ولا شك، تنعكس على الواقع التربوي بشكل مباشر.

و عموما، يتوخى هذا البحث إثارة اهتمام أكبر بهذا الواقع المدرسي بالوسط القروي، حيث نعتبر من باب عدم الإنصاف التفكير فيه بنفس الآليات التي يتم تبنيها عندما يتعلق الأمر بالوسط الحضري. إن مقاربة إصلاحية خاصة بهذا المجال الهش، المعزول و الصعب هي منتهى طموحنا من خلال هذه المساهمة.

 

إشكاليــــــة المفهــــــــوم:

لقد انتقل مصطلح ” الهدر” من الميدان الاقتصادي إلى الميدان التربوي، شأنه في ذلك شأن العديد من المفاهيم الأخرى (الجودة، الكفايات، المشـروع، التعاقـد، الشراكـة…)، و يعبر مفهوم الهدر في الاقتصاد عن ” الفرق بين النتائج المستهدفة والمخرجات الواقعية” و في التربية عن ” الفارق السلبي بين الأهداف المتوخاة من الفعل التعليمي والنتائج المحققة فعليا” (1)، و بشكل عام، فقد دأب المختصون على الحديث عن الهدر المدرسي باعتباره  يشير إلى انقطاع التلاميذ و مغادرتهم للمدرسة قبل إتمام مرحلة معينة من الدراسة و دون حصولهم على الحد الأدنى من التعليم الذي يسمح لهم بالاندماج في الوسط الاجتماعي، مما يجعل منهم لا حقا، عبئا على المجتمع. و عادة يستعمل المصطلح للدلالة على التكرار و الانقطاع، على أن الأول يؤدي في أحيان كثيرة إلى الثاني، و السؤال المطروح هنا هو : هل يقتصر الهدر المدرسي، في واقع الأمر فقط على هذين البعدين؟ ألا يمكن توسيع المفهوم للوقوف عند كافة أبعاده و مظاهره؟

نعتقد أن أحد أهم الجوانب التي يشملها الهدر بالمدرسة المغربية، خصوصا بالوسط القروي الذي هو موضوع دراستنا، هو الزمن المدرسي، و المعاينة الميدانية تتيح الوقوف عند حجم الظاهرة. و في هذا الإطار لا يخفي على كافة الأطراف مشكل تأخر انطلاقة الدراسة بالمؤسسات التعليمية في بداية الموسم، و ذلك نتيجة لعدة عوامل نكتفي بذكر، بعضها، و يتعلق الأمر بالخصاص في المدرسيــــــــن و تأخر إجراء العمليات المرتبطة بالحركات الانتقالية على الصعيد المحلي و الجهوي، و كذا مسألة تعثر عملية توزيع المحافظ و الكتب المدرسية لأسباب لوجستيكية و تدبيرية. هذا من جهة، و من جهة أخرى لا داعي لإنكار مسألة انتهاء الدراسة قبل الأوان بالعديد من المؤسسات القروية، و هو الشيء الذي أصبح بحكم العادة طبيعيا وراسخا في الأذهان عند كافة الأطراف.

و علاوة على الهدر الزمني في بداية و نهاية السنة الدراسية، لا جدال في كون الزمن المدرسي يعرف استنزافا طيلة السنة الدراسية نتيجة التغيبات والتأخرات المتكررة للمدرسين، سواء بشكل مبرر أو غير مبرر. وقد اعترفت كاتبة الدولة السابقة في قطاع التعليم المدرسي، سنة 2010 ، بأن الزمن المدرسي يعرف استنزافا يبلغ حجمه 30 ٪ كمعدل وطني. و من البداهة القول إن هذا الاستنزاف يمس بشكل أكبر المجال القروي، باعتبار الظروف الموضوعية لمزاولة المهنة بهذا الوسط.  وفي علاقة بموضوع هذا البحث، فإن الحديث عن الهدر الزمني يفتح المجال للتساؤل التالي: إذا كان هدر الزمن المدرسي معطى واقعيا وموضوعيا، فإلى أي حد يتمكن المدرس داخل الفصل من استثمار الزمن الحقيقي، المتبقي، في تفعيل الأنشطة الأكثر أهمية؟ وبصيغة أخرى هل يملك المدرس القدرة على تحديد الأولويات والأساسيات في ما يخص المعرفة المدرسية؟

بالإضافة إلى الهدر الزمني، لا بد من الإشارة إلى هدر الموارد المالية في قطاع التربيـة و التكويــن، و قد لا حظنا بشكل واضح كيف أنه قد تم صرف اعتمادات ضخمة في مشاريع البرنامج الاستعجالي الأخير، دون أن ينعكس ذلك على جودة أداء المنظومة، و سجلنا مؤخرا كيف بدأت العديد من الأصوات تتعالى و تطالب بإجراء تحقيقات في ما يتعلق بالتدبير الجهوي للمشاريع المشار إليها.

على كل حال لن نخوض في هذا الأمر بشكل كبير لسببين: أولهما أننا لا نملك المعطيـات الماديـــــــة و الدلائل الموضوعية على سوء التدبير المذكور، و نكتفي بالمغامرة بإصدار أحكام انطباعية قائمة على الملاحظة و على معطيات الحس العام، و ثانيهما أن هذا الجانب  لا يدخل ضمن محاور هذه الدراسة باعتبار هذه الأخيرة تنكب فقط على الأبعاد التربوية لظاهرة الهدر. و مع ذلك، وحتى نبقى دائما مرتبطين بالموضوع، نطرح التساؤل التالي: إلى أي حد كانت الاعتمادات المخصصة للإصلاح الأخير تستهدف تنمية التحصيل الدراسي داخل الفصول؟ وما نصيب الهاجس التربوي من المشاريع التي تم تبنيها؟ ألم يكن المنطق التقني طاغيا على الهم التربوي في تدبير هذا الإصلاح؟

و نصل الآن إلى أهم عنصر نرى أنه من الواجب الانتباه إليه و مراعاته، و هو المتعلق بالهدر الناتج عن تدبير الأستاذ للتعلمات داخل الفصل الدراسي، و هو هدر يومي و مستمر، ففي غياب التجانس بين مستويات تلاميذ الفصل الواحد، يصبح هم المدرس هو تركيز على ما يسمى ب

” المتعلــــــم الوســــط” و يهمل المتميزين من جهة، والمتأخرين من جهة أخرى، و نعتبر أن في هذا هدرا لطاقات الموهوبيـن ( وهو ما سنعود إليه لاحقا) وللإمكانيات الخفية للمتأخرين

والمتعثرين، و قد رصد المجلس الأعلى للتعليم (سابقا) في تقريره لسنة 2008 هذا الإشكال حيث أشار أن : “التكوين الأساس للمدرسين لا يركز بما فيه الكفاية على تملك الطرائق البيداغوجية الملائمة لتنوع وضعيات المتعلمين، و لاسيما البيداغوجيا الفارقية” (2)، و نتساءل بهذه المناسبة: إذا كان الأمر كذلك بالنسبة للأساتذة الذين تلقوا تكوينا أساسا، فماذا عساه يكون بالنسبة للذين لم يتلقوا أي تكوين و التحقوا مباشرة بالفصول الدراسية في إطار التوظيف المباشر؟

الهدر المدرسي في مقاربة المجلس الأعلى للتعليم (سابقا) :

إذا رجعنا إلى الهدر المدرسي في مفهومه الضيق المقتصر علـى البعديــــــن المتمثليــــن فـــي التكـــرار و الانقطاع، فهو ما تناوله المجلس الأعلى في تقريره لسنة 2008 من خلال عديد من النقط نكتفي بذكر أهمها:

·       يغادر 400000 تلميذ أسلاك الدراسة كل  سنة .(3)

·       50 ٪ فقط من التلاميذ يتمكنون من مواصلة دراستهم إلى نهاية التعليم الإعدادي .(4)

·       بعض الدراسات التي أنجزت بطلب من المجلس الأعلى للتعليم تؤكد أن التلاميذ الذين ينقطعون عن الدراسة بعد 4 سنوات أو أقل يؤولون فيما بعد إلى الأمية.(5)

·       تكلفة عدم التمدرس و الانقطاع عن الدراسة تبلغ 2 ٪ من الناتج الداخلي الخام.(6)

·       تهم ظاهرة الهدر المدرسي بالأساس العالم القروي. (7)

·       معدل تمدرس الفتيات بين 12 و 14 سنة من العمر لم يتجاوز 43 ٪ في الموسم الدراسي 2006/2007 . (8)

·       يعد النقص في جودة التعلمات من بين أسباب الانقطاع الدراسي حيث يسجل سنويا ما يقارب 200000 حالة انقطاع عن الدراسة بسبب الفشل الدراسي.(9)

و يعد هذا المعطى الأخير، الأهم بالنسبة إلينا، باعتبار أننا ندعي أن الأسباب الحقيقية للهدر المدرسي بالمغرب تعود بالأساس إلى الإشكالات التربوية المرتبطة بالتحصيل الدراسي، وأن العوامل الاجتماعية ما هي إلا روافد تغذي العامل الأساسي المتمثل في ضعف الأداء التربوي  للمنظومة.

الهدر المدرسي في مقاربة البرنامج ألاستعجالي 2009- 2012.

بالعودة إلى تقرير المجلس الأعلى للتعليم ، كما  كان يسمى، لسنة 2008 ، فقد وقفت هذه الوثيقة عنـد مظاهر الهـدر المدرســــي و أسبابه و تداعياته، و صاغت مجموعة من التوصيات الكفيلة بالحد من الظاهرة، و هو ما ترتب عنه في إطار البرنامج الاستعجالي الأخير اعتماد المشروع P5 E1   الخاص

ب” محاربة ظاهرتي التكرار و الانقطاع عن الدراسة”، المشروع الذي نص على اعتماد آليتين مترابطتين :

·       التتبع الفردي للتلميذ، و الذي يمكن من معرفة وضعية التلاميذ بصورة دقيقة حتى يتسنى الرصد المبكر لمن يعاني منهم من صعوبات دراسية، و تحديد التدابير الأكثر ملاءمة لمعالجتها.

·       تنظيم دعم دراسي للتلاميذ ذوي التعثرات، و المصاحبة الفعالة لعملية تأهيلهــم لمواكبـة الدراســـــــة و تجنب مغادرتهم للمدرسة. (10)

و تشير التقويمات الجزئية لمشاريع البرنامج الاستعجالي، و التي تجري بالأكاديميات الجهوية للتربيــــة و التكوين مرتين في السنة، إلى حصول تقدم نسبي في محاربة الهدر المدرسي، و لكن هل فعلا كان للآليتين المشار إليهما دور في تراجع الظاهرة؟ أم أن هذا مرده إلى بعض التدابير ذات الطابع الاجتماعي( بناء دور للطالبات، برنامج تيسير للمساعدات النقدية المشروطة، توزيع الكتب و الأدوات المدرسية مجانا…)؟

إننا جميعا على دراية بحقيقة يجمع عليها الكل، وهي ضعف انخراط المدرسين في مشاريع الدعم التربوي كأداة وقائية ضد الهدر المدرسي، بل و ضعف الانخراط حتى في التعامل مع دفاتر التتبع الفردي التي ظلت مجرد وثائق لتأثيث الرفوف، لا يعود إليها أحد لاستثمارها. كما أن تعبئتها بالمعطيات، إن و جدت، فإنما تكون فقط شكلية و بأقل جهد.

في هذا السياق تأتي هذه الدراسة التي أنجزناها، كمحاولة للمساهمة في تركيز الاهتمام حول العوامل التربوية التي تؤدي إلى ظاهرة الهدر المدرسي، وهي العوامل المرتبطة بأداء المنظومة، وتحديدا بطبيعة التعلمات التي يتلقاها التلاميذ داخل الفصول الدراسية بالعالم القروي.

من أجل هذا سنستثمر هنا معطيات البحث الذي أجريناه حول ظاهرة الهدر المدرسي بمؤسسات العالم القروي التابعة لنيابة سيدي سليمان التي تدخل بدورها في إطار الأكاديمية الجهوية للتربيــة و التكوين لجهة الغرب/ الشراردة/ بني احسن. (11)

بطاقـــة تقنيــــة للبحـــــــث

·       الموضوع: المدخل التربوي للحد من ظاهرة الهدر المدرسي بالوسط القروي.

·       إشكالية البحث: إلى أي حد يساهم ضعف التحصيل الدراسي في ارتباط مع أساليب تدبير التعلمات بالوسط القروي، في تفاقم و استمرار ظاهرة الهدر المدرسي؟

·       مجتمع البحث: التلاميذ ضحايا الهدر المدرسي بالعالم القروي و آباؤهم أو أولياء أمورهم.

·       عينات البحث: -أ- عينة تشمل 57 من الآباء الذين انقطع أبناؤهم عن المدرسة خلال المرحلة الابتدائية. – ب- عينة تشمل 38 من التلاميذ الذين انقطعوا عن الدراسة خلال المرحلة الابتدائية ، حيث سنتناول تحليل نتائج هؤلاء التلاميذ خلال المراحل الأخيرة التي سبقت مغادرتهم للمدرسة.

·       منهجية البحث: الوصف + تحليل المضمون.

·       أدوات البحث: المقابلة + تحليل الوثائق

·       حدود البحث: يقتصر هذا البحث على العالم القروي بصفته المعني الأول بظاهرة الهدر، كما أن التركيز بنصب على المرحلة الابتدائية على اعتبار أن الهدر المدرسي خلال المرحلة الإعدادية مرتبط بشكل أكبر  بالعوامل الاجتماعية و الثقافية، فيما يفترض أن الانقطاع عن الدراسة خلال المرحلة الابتدائية مرتبط بالفشل الدراسي والعوامل ذات الطابع التربوي. و لنفس الأسباب راعينا أن نحدد مجال الدراسة في المجموعات المدرسية التي لم تستفد من برنامج تيسير للمساعدات المالية المشروطة بالإبقاء على التلاميذ داخل حجرات الدراسة.

·       فرضية البحث: ندعي أن الأسباب الحقيقية  للهدر المدرسي بالمؤسسات الابتدائية بالعالم القروي هي بالأساس تربوية، مرتبطة بالتحصيل الدراسي و أن العوامل الأخرى الاجتماعيــــــة، الاقتصاديــــــة و الثقافية ما هي إلا أقنعة تغطي فشل المنظومة و ضعف أدائها التربوي.

الدراســــــة الأولـــــــــــى

تم تخطيط منهجية لإجراء عدد من المقابلات مع آباء انقطع أبناؤهم عن الدراسة قبل متم المرحلة الابتدائية، و ذلك بمجموعة من الدواوير التابعة لأربع جماعات بإقليم سيدي سليمان الذي يقع بجهة الغرب /الشراردة/ بني احسن. هذه الدواوير كلها تعاني من الهشاشة، و بها ساكنة تعتمد علــى فلاحـــة معيشيــة و تعاني من أوضاع صعبة نسبيا، شأنها في ذلك شأن أغلب المناطق القروية بالمغرب. الهدف من الدراسة هو استخراج المعطيات التالية:

·       معلومات عن التلميذ ضحية الهدر المدرسي، و المستوى الدراسي الذي غادر فيه حجرات المؤسسة…

·       أسباب الانقطاع الدراسي حسب الأب ، الأم أو الولي…

·       مؤشرات عن مستوى التحصيل المعرفي للتلميذ، و درجة تفوقه أو تأخره في الدراسة في الفترة التي شهدت مغادرته للمدرسة.

و قبل تقديم أهم النتائج التي خلص إليها هذا البحث، لا بد من الإشارة إلى المحددات التالية:

– التلاميذ الذين شكلوا موضوعا للبحث غادروا المدرسـة بين نونبـر 2009 و دجنبـر 2011،

 و أعمارهم تراوحت بين 9 سنوات و 15 سنة أثناء المغادرة، و جنسهم تنوع إلى ذكور و إناث…

– الجماعات التي اشتغلنا في ترابها، لم تستفد بها المؤسسات التعليمية من برنامج المساعدات المالية المشروطة (تيسير) باعتبار  أن إرساء هذا النوع من المساعدات يؤدي إلى الإبقاء على التلاميذ في الفصول الدراسية و لو بشكل صوري…

علما أن تفاصيل البحث الذي تم إجراؤه (استمارات- وثائق- أرقام- مبيانات…) متضمنة في ملف مستقل عن هذه الوثيقة، نكتفي هنا بذكر أهم الخلاصات و النتائج التي تم التوصل إليها. و هكذا فعند سؤال الآباء عن الأسباب التي أدت بأبنائهم إلى الانقطاع عن الدراسة، تنوعت إجاباتهم، و التي يمكن تصنيفها إلى ما يلي:

·       أسباب ذات طابع اجتماعي/ اقتصادي، بنسبة 42 ٪ حيث عبر 24 من الآباء المستجوبين أن مغادرة الابن للمدرسة كانت في سياق متسم بالحاجة إلى مساهمة الأبناء في كسب موارد العيـــش و تحمل الأعباء، و هكذا فقد كان الأمر مرتبطا بتفرغ الأبناء في سن مبكرة لممارسة مجموعة من الأنشطة المعيشية كالرعي أو العمل المأجور في الحقول العصرية، حسب المناطق…

·       أسباب ذات طابع ثقافي، بنسبة 7 ٪ ، والحديث هنا بالخصوص عن تمدرس الفتاة و صورتها في المجتمع القروي و عن الزواج المبكر الذي يعرف انتشارا واسعا في البوادي، علما أنه يتم خارج أي إطار قانوني، و يقتصر على الأعراف و الممارسات القائمة.

·       أسباب تربوية: نسبة 47 ٪ في إشارة إلى العوامل المدرسية المرتبطة بالعنف المدرسي و بمشكل الفشل الدراسي و بالضعف المهول على مستوى اكتساب المعارف الأساسية.

·       أسباب آخري : بحوالي 4 ٪ (و ضع صحي، حادث).

إن النسب المئوية التي تم تسجيلها انطلاقا من أجوبة الآباء حول سؤال الأسباب لا يمكننا من بناء تصور واضح و إصدار و تعميم حكم معين، و لذلك فإن الإجابات عن المحدد الخاص بدرجة تمكن التلميذ من المعرفة المدرسية قبل الانقطاع، هذه الإجابات كانت حاسمة في الموضوع، فقد كانت النتائج على الشكل التالي:

·       حوالي 88 ٪ من الآباء أكدوا بأن أبنائهم لم يحصلوا شيئا يذكر خلال السنوات التي قضوها في المدرسة، لدرجة عدم التمكن من الحروف الهجائية في بعض الحالات، و أن نتائجهم كانت ضعيفة جدا و لم تتجاوز سقف 10/3.5 خلال المراحل الأخيرة قبل الانقطاع.

·       باقي الآباء، و يشكلون 12 ٪  من العينة، ذكورا أن أبناءهم المنقطعين عن الدراسة يتوفرون على الحد الأدنى من المعارف الأساسية، يتعرفون المبـادئ الأوليـــــة للقـراءة و الكتابـــة و الحســـــــاب، و نتائجهم تراوحت بين 10/4 و 10/5 .

بقيت الإشارة إلى أن عددا مهما من المقابلات عرف تواجد الآباء والأبناء معا، وتم الوقوف على مستوى التلميذ مباشرة من خلال بعض الروائز البسيطة.

إن هذه المعطيات تمكننا من بناء استنتاجات مهمة جدا، انطلاقا من كون اغلب النتائج الدراسية المحصلة من طرف المنقطعين لم ترق إلى المتوسط، فيبدو أن ضعف التحصيل الدراسي كان العامل الرئيسي المرتبط بمغادرة المدرسة. كان هذا العنصر مشتركا بين جميع الحالات، مما يسمح بالقول إن الانقطاع كان من الممكن تفادية  لو أن المسار الدراسي للتلاميذ كان أحسن من حيث التحصيل.

 

الدراســــة الثانيــــة:

بتنسيق مع مدير إحدى المجموعات المدرسية بنفس النيابة (سيدي سليمان)، مع العلم أن هذه المجموعة  أيضا لم تستفذ من برنامج” تيسير”، قمنا بإجراء تحليل لنتائج التلاميذ المغادرين للمؤسسة بين دجنبر 2008 و فبراير 2012، انطلاقا من الإطلاع على ملفاتهم المدرسية بأرشيف المؤسسة. بلغ عدد أفراد العينة المدروسة 38 تلميذا و تم تسجيل النتائج التي حصلوا عليها خلال الدورات الثلاث التي سبقت انقطاعهم عن الدراسة، و بعد ذلك احتساب معدل لهذه النتائج بالنسبة لكل تلميذ. كانت النتائج على الشكل التالي:

·       23 تلميذا(٪ 60.5 ) لم يبلغ معدل نتائجهم خلال الدورات الثلاث الأخيرة 10/3.

·       12 تلميذا (٪ 31.5 ) ترواحت معدلاتهم بين 10/3 و 10/5 .

·       3 تلاميذ  (٪ 8 ) كانت معدلاتهم أكبر بقليل من 10/5 و لم تتجاوز 10/5.5.

و هكذا فأغلب أفراد العينة كانت معدلاتهم ضعيفة، مما يتماشى مع نتائج الدراسة الأولى التي اعتمدت على المقابلة مع الآباء ، ويؤكد الارتباط الوثيق بين الفشل الدراسي و الهدر. إن الفشل الدراسي، و كما هو معلوم، يعتبر نتيجة لتراكم التعثرات الدراسية التي تظل دون معالجة في حينهــا، و هو مرتبط، في المدرسة المغربية، بظاهرة ” الجبر” التي تعبر عـــن نجـــاح المتعلميــــن و مرورهم إلى المستويات الموالية (قسريا) دون حصولهم على عتبة النجاح، و تلك بدورها نتيجة لعدة أسباب متعلقة بالخريطة  المدرسية و بمعطيات العرض التربوي. و في هذا الإطار، و إذا كان من الصعب معالجة ظاهرة ” الجبر” هذه عن طريق تنمية العرض المدرسي، باعتبار ذلك يقتضي بناء عدد خيالي من الحجرات الدراسية الإضافية و توفير أعداد

مهولة إضافية من المدرسين، فإن هذا لا يعفي من ضرورة التفكير في ابتكار و تطوير حلول بديلة.

 

منـــاقشــــــــة:

واضح من خلال الدراستين أن النية كانت تستهدف مسبقا الربط بين الفشل فــــي التحصيل الدراســي و بين الهدر المدرسي، و أنه قد تم إغفال عديد من العوامل الأخرى المرتبطة بالظاهرة، و ذلك راجع لعدة أسباب نجملها في النقطتين التاليتين:

·       إن الحديث عن بعض العوامل الأخرى، التي تحتفظ لنفسها بالطابع المدرسي، كالعنف ضد التلاميذ، أو تغيبات الأساتذة بالمجموعات المدرسية، يقتضي بحوثا قائمة بذاتها و مستقلة عن هذه الدراسة.

·       إننا نعتبر أن العوامل غير المدرسية كالفقر و تشغيل الأطفال والزواج المبكر للفتيات بالوسط القروي و الوضع الصحي للتلميذ هي عوامل لا تحسم فيها إمكانية تدخلنا كفاعلين تربويين لكونها تتجاوز تخصصاتنا و اختصاصاتنا.

كما أنه من الملاحظ أننا لم نتكلم عن مشكل عدم الالتحاق بالمدرسة، لكون هذا الأمر مرتبطا بالعرض التربوي الذي هو ورش يغلب عليه الطابع التقني الإداري، و قد خطت السلطات التربوية خطوات مهمة في هذا الاتجاه، و مسألة التعميم هي من بين الرهانات التي تمكنت البلاد من التقدم فيها إلـــى حـــد كبير، و إذا كان الأمر كذلك فماذا عن سؤال الجودة؟ ما جدوى التعميم في غيابها؟ إننا لا ننكر ما لتعميم التمدرس وإلزاميته من أهمية في إقرار تكافؤ الفرص بين كافة أبناء الوطن، و لكن التذرع بأولوية هذا الورش التقني و استعجاليته و بالتالي تأجيل سؤال الجودة هو أمر غير مشروع، لأن مبدأ تكافؤ الفرص لا يتحقق فقط بالتحاق المتعلم بالفصول الدراسية و توفير مقعد له، و إنما بالضرورة بتعليم يلبي حاجياته و يراعي خصوصيته و يؤهله لتنمية ذاته و مجتمعه لا حقا.

و في هذا الإطار، و مادامت الدراسة تتخذ كمجتمع  لها، العالم القروي، فلا بد من الإشارة إلى الشرخ المروع الحاصل بين الخدمات التعليمية بالوسط الحضري، و نظيرتها بالوسط القروي. لن نحتاج إلى الإحصائيات للتأكيد على كون المجال القروي يستحوذ على النصيب الأكبر من أرقام الهدر المدرسي على المستوى الوطني، فهذا من باب البديهي، في ظل الهشاشة التي يعيشها. و بما أننا نقارب الظاهرة تربويا، فالأمر يقتضي مساءلة موضوعية للمنهاج الدراسي على مستويين اثنين:

·       مساءلة المنهاج الرسمي من حيث هو التصور العام للعملية التعليمية، و فق الوثائق الرسمية الصادرة عن سلطات التربية و التكوين، التصور الذي يحدد مواصفات المتعلم المنشود والكفايات المطلوب تملكها من طرفه، و يصف آليات التقويم و الإشهاد المعتمدة في مساره الدراسي، مرورا عبر تحديد كافة الإجراءات والتخطيطات والوسائل والمضامين والفضاءات والموارد التي تتطلبها عمليات التدريس. هذه المساءلة يفترض أن تنكب على مدى ملاءمة المنهاج(الموحد على الصعيد الوطني) لمجال قروي صعب، هش و يعاني من العزلة والتهميش. أليس فرض نفس المضاميـــن والمحتويات والمعايير على مجالين غير متكافئين(الحضري / القروي) هو ما يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص؟ صحيح أن المناهج لا بد أن تكون متجاوزة للواقع حتى تتمكن مـــن تحريكـــه وتطويره وتغييره، و لكن المسافة بينهما يفترض أن تبقى في حدود المقبول حتى يتسنى للمنهاج أن يلعب دور القاطرة بالنسبة للمنظومة التربوية، وفي الحالة الراهنة التي يعيشها التعليم بالعالم القروي، يشكل التعثر والفشل معطى مبدئيا وحتميا: طفل يلج صفوف التعليم الابتدائي ولم يقض يوما في التعليم الأولي. ماذا ننتظر منه؟ بهذا المعنى يصبح النجاح المدرسي استثناء و ليس قاعدة. إن تعليمنا لهو بحق تعليم بسرعتين متفاوتتين إن لم نقل بأكثر من سرعتين باستحضار التعليم الخصوصي بشقيه الوطني و الأجنبي.

·       مساءلة المنهاج الفعلي بالوسط القروي، و الحديث هنا هو عما يقع فعليا بالفصول الدراسية بالبوادي، إنه سؤال المحتويات الحقيقية المقدمة و الطرائق الحقيقية المتبعة. ألا يمكن أن تكون المعطيات الميدانية  قد أجابت و حسمت في فرضية عدم ملاءمة المنهاج الرسمي لواقع الوسط القروي؟

لتأكيد أو نفي ذلك، يتعين علينا أن ننزل إلى الميدان بالأدوات المنهجية، و فق المقاربة الأنكلوسكسونية البراغماتية التي تنطلق دائما في سيرورة الإصلاح، من معطيات الواقع المتوفرة بغية تطويرها تدريجيا.

ننزل إلى الميدان لنجيب عن أسئلة لا منتهية بخصوص واقع التدريس بالعالم القروي من قبيل:

ü          هل نقوم بتدريس اللغات باستحضار وظيفتها كأداة للتواصل و التعبير، أم نقتصر على تلقين بعض القواعد النحوية المعزولة الخالية من المعنى؟

ü          إلى أي حد يتم الالتزام بالمبدأ الأساسي الذي قامت عليه سيرورة الإصلاح، و هو جعل المتعلم في مركز الاهتمام؟ ما مدى حضور المشاريع و المهام التربوية في حياة التلميذ الدراسية؟ هل يتم إشراكه في الأنشطة التربوية أم لازال منطق التلقين العمودي سائدا؟

ü          هل يعير المدرس أهمية لبناء المفاهيم الرياضية أم أن تدريس الرياضيات يقتصر على تلقين العـــد و بعض التقنيات الاعتيادية بشكل آلي لا يتضمن أي معنى؟

ü          ما هو واقع تدريس الأنشطة العلمية؟ و ما مكانة  المنهج التجريبي في المدرسة القروية في الوقت الذي تتجه فيه المنظومة نحو اعتماد نهج التقصي، الأكثر تقدما؟

ü         كم عدد المدرسين الذين يساهمون في تفعيل الحياة المدرسية من خلال أنشطة موازية أو مدمجة؟

ü          هل تتم مسرحة درس التاريخ باعتباره يحكي وقائع ذات دلالة، أم أنه يقدم فقط كمجموعة من السنوات و الأحداث و النصوص الجامدة؟ هل تدرس قيم المواطنة و حقوق الإنسان بالاعتماد على مواقف درامية ووضعيات مشخصة أم يقتصر الأمر على كتابة الملخصات؟ إلى أي حد يستثمر الأستاذ درس الجغرافيا لتمكين المتعلم من الانفتاح على مجاله و محيطه؟

هذه فقط أمثلة و نماذج لبعض التساؤلات المشروعة التي تقتضي، كما سلف الذكر، التسلح بالأدوات التشخيصية و النزول إلى الميدان لمحاولة الإجابة عنها من خلال رصد الواقع الحي للممارسة التربوية بالعالم القروي، الرصد الذي سيشكل منطلقا سليما نحو بناء حلول واقعية مبينة على الإمكانيات الفعلية المتوفرة سواء على المستوى المادي أو البشري، حلول كفيلة بالحد من ظاهرة الهدر المدرسي عبر المدخل التربوي.

في انتظار هذا التشخيص النوعي العميق، نكتفي مبدئيا بصياغة بعض التوصيات التربوية العامة التـــي لا نعتقد أن بالإمكان الاختلاف حولها كعناصر لمعالجة الظاهرة.

الحلــــــول الممكنــــــة:

1-  تعميم المدرسة القروية الموسعة ذات الحجم الكبير:

لقد نجحت السلطات التربوية إلى حد كبير في توفير مقاعد وحجرات للدراسة في كافة المناطق النائية عبر ربوع المملكة، مما ساعد على ربح رهان التعميم بنسبة عالية، ونحن نلتمس للدولة كامل حسن النية في هذا الورش، و لكن تقويم هذه  التجربة و لو بشكل انطباعي تكشف أن مردودية الأقسام المعزولة بأعالي الجبال و أقاصي الدواوير ضعيفة جدا. هل يمكن الحديث عن مفهوم للمدرسة، في حدوده الدنيا، عندما يتعلق الأمر بحجرة فريدة أو حجرتين يحكمهما منطق القسم متعدد المستويات، في غياب أدنى الشروط المادية و الرمزية للممارسة التربوية؟ أية حياة مدرسية  في محيط يفتقر إلى شروط العيش الكريم بالنسبة للأستاذ و التلاميذ، و يفتقر إلى مصادر المعرفة و التنشيط و الانفتاح؟ إن المدرسة بمواصفات الفرعيات المنتشرة بقرى المملكة هي تربة خصبة للهدر المدرســي، باعتبــــار أن شروطها تعيق التحصيل المعرفي و تمنع تفتح مواهب التلاميذ و إمكانيتهم.

هذا الهم لم يكن غائبا عن السلطات التربوية التي فتحت ورش إقامة ” المدرسة الجماعاتية” و لكن للأسف لم تتحقق إلى الآن إلا 6 تجارب عبر التراب الوطني، و مرد ذلك، في اعتقادنا، إلى سوء ترشيد و تدبير المشاريع الإصلاحية وعدم تحديد الأولويات بالشكل الصحيح و الغياب المحتمل للإرادة الحقيقية.

إن مدرسة من الحجم الكبير، تجمع شتات تلاميذ و تلميذات مختلف الفروع المدرسية النائية على صعيد جماعة معينة هي الحل الأمثل لتجويد أداء المنظومة بالعالم القروي، و ذلك للاعتبارات التالية:

·       إن تواجد هذه المؤسسة في محيط تتوفر به المرافق الأساسية يفتح المجال لإقامة روابط تفاعلية بين المدرسة و مجالها بما يعطي للتعليم معنى ووظيفية.

·       الحجم الكبير للمدرسة والعدد المهم للتلاميذ والأساتذة يسمح بتفعيل أنشطة الحياة المدرسية و إقامة النوادي المختلفة بحسب ميولات و اهتمامات التلاميذ بما يساعد على البناء المتكامل لشخصية المتعلمين.

·       لقد بينت الدراسات أن المدرسة الجماعاتية توفر إمكانية حل مشكل الخصاص في المدرسين، وهو الخصاص الذي يتميز بكونه بنيويا مرتبطا بتوزيع أطر التدريس على التراب الوطني توزيعا غير متناسب مع أعداء المتعلمين بالوحدات المدرسية. يوفر هذا النموذج أيضا إمكانية العمل بالتخصص في المواد الدراسية و تفعيل الأنشطة الموازية بالمؤسسة، و إرساء التعليم الأولي…

·       المدرسة الجماعاتية توفر شروطا أحسن للعمل و تساهم على الحد من الظواهر المرتبطة بتغيبات الأساتذة، و بضغف التأطير من طرف المشرفين التربويين.

إن إقامة هذا النموذج و تعميمه على المناطق القروية بالمملكة يضمن بشكل كبير الحد من ظاهرة الهدر المدرسي، و يبقى أن ذلك لا بد أن يكون مصحوبا بدراسات يقـوم بها مختصـون سيكولوجيـون و سوسيو لوجيون مغاربة لتأطير النموذج بشكل علمي و تحديد شروط  إنجاح التجربة و مدى ملاءمة التدابير المصاحبة للنموذج لخصوصيات المتعلمين و طبيعة محيطهم السوسيوثقافي، و الحديث هنا عن تدابير كالنقـل المدرسي والإقامة فــــي الداخليات و مــــدى ملاءمــــة هـــــــــذا أو تلك لأعمــــــار التلاميـــــذ و أوضاعهم…

2-  إرساء مبادئ البيداغوجيا الفارقية الحقيقية:

إن هذا العنصر مرتبط بشكل كبير بنموذج المدرسة الجماعاتية المشار إليه في الفقرة السابقة، بحيث أن العدد المهم للمدرسين و للتلاميذ يسمح بتفعيل الفارقية بدءا من إقامتها على صعيد المؤسسة بتوزيع التلاميذ على الفصول الدراسية حسب مستوياتهم، على أن يتولى المدرسون المتمكنون من تقنيات التنشيط تدبير الفصول التي تضم تلاميذ متميزين، و أن يتكلف المدرسون الأكفاء ذوو القدرة على التحمل بمهمة تدريس الفصول المتوسطة. و هذا الأمر تلعب فيه القيادة التربوية المتمثلة في مدير المؤسسة دورا مهما.

و نشير هنا أن الموقف الذي سجلته وزارة التربية الوطنية مؤخرا من ثانويات التميز لا ينبغي أن يفهم أنه موقف من المبدأ في حد ذاته. نحن نلتمس للوزارة حسن النية عندما ربطت بيـــن ثانويـات التميـز و بين إشكالات تبذير الموارد المالية و ضرب تكافؤ الفرص. و لكن من جهتنا نعتبر أن إقامة آليات لتشجيع التميز بالثانوي غير ذات جدوى، إذ أن التميز يجب أن تتم رعايته منذ الصغر، و إلا فكيف تصنع البلاد الموهوبين و العلماء الذين يفترض أنه تقع على عاتقهم مهمة قيـادة التنميـــة و التطـــور في المستقبل. إن الاحتفاظ بالتلاميذ الموهوبين بالفصول  العادية بالمدرسة الابتدائية هو في اعتقادنا، إقبار لإمكانياتهم لأن المدرس غالبا يركز في ممارسته التعليمية كما سبقت الإشارة إلى ذلك على المستوى المتوسط للفصل الدراسي، فيسقط ضحية ذلك كل من المتميزين و المتأخرين.

و نعتبر أن نموذج المدرسة الجماعاتية يساعد إلى حد كبير على إنصاف هذين الفئتين . لما يتيحه الفضاء الكبير للمؤسسة و الإمكانيات المادية و البشرية المفترض توفرها، من آليات للعمل و فق المسارات الخاصة بكل فئة منهما، وهو ما يضمن بالشكل السليم تحقق مبدأ تكافؤ الفرص بين المتعلمين، فلا يمكن الفصل بين هذا المبدأ و بين مسألة مراعاة خصوصيات وذكاءات و حاجات المتعلم وتوفير الخدمة التعليمية  المناسبة له باعتباره يقع في مركز الاهتمام في إطار التوجهات الجديدة للسياسة التعليمية.

إن تفعيل الفارقية داخل المؤسسات و الفصول الدراسية هي الآلية الوقائية الرئيسية ضد الفشل الدراســـي و بالتالي ضد الهدر المدرسي، و السبيل الوحيد لربح رهان ديمقراطية التربية.

3-  إقامة مشاريع الدعم البيداغوجي على الأساس التعاقدي :

إن المعاينة المبدائية لواقع التدريس بالعالم القروي يؤكد بما لا بدع مجالا للشك، الفشل الذريع لمختلف مشاريع الدعم البيداغوجي التي تبنتها السلطات التربوية كآلية للوقاية من الهدر المدرسي، و يرجع ذلك على ما يبدو إلى ضعف انخراط المدرسين في هذه المشاريع و قد حان الوقت لتغيير التصور حول هذه العملية و بناء مقاربة جديدة كفيلة بإنجاح هذا الورش المهم.

و في اعتقادنا أن الدعم البيداغوجي يمكن أن يحقق نتائج مهمة جدا إذا ما تم إرساؤه على الأساس التعاقدي. دعم تربوي يتم تخطيطه و برمجته وفق نظام للتحفيز مبني على أساس النتائج المحققة فعليا، يضمن انخراطا كبيرا للمدرس في هذه السيرورة، على أن تتم مرافقة مشروع الدعم و تتبعه من طرف المشرفين التربويين لما يتطلبه  من تأطير و تكوين و مصاحبة.

إن الأمر لا يتطلب ضخ موارد مالية إضافية في المنظومة بقدر ما يتوقف على التفكير فــي الأولويـــــات و إعادة تحديدها و فق رؤية تشاركية ينخرط فيها جميع الفاعلين على المستوى المحلي و المركزي، بما من شأنه أن يعيد بناء الثقة في المدرسة المغربية و يعزز التعبئة حولها، كقاطرة للتنمية المجتمعية.

هوامش البحث

(1)            خالد المير و من معه، سلسلة التكوين التربوي، العدد 6، مطبعة النجاح الجديدة ،ص 15

(2)            التقرير الأول للمجلس الأعلى للتعليم حول حالة منظومة التربية و التكوين وآفاقها، 2008، الجزء الأول:إنجاح مدرسة للجميع، ص 33

(3)            نفس المرجع السابق، ص 28

(4)            نفس المرجع السابق، ص28

(5)            نفس المرجع السابق، ص28

(6)            نفس المرجع السابق، ص28

(7)            نفس المرجع السابق، ص28

(8)            نفس المرجع السابق، ص28

(9)            نفس المرجع السابق، ص37

(10)      التقرير التركيبي للبرنامج الاستعجالي 2009-2012 ،ص 20

 

                    من إنجاز: ذ. كمال نور

             مركز تكوين مفتشي التعليم / الرباط

                     أبريل 2012

 http://sadacfi.blogspot.com

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: