Posted by: tarbeyawatakwin | أبريل 4, 2013

دراسة ميدانية حول الأطفال في وضعية صعبة: أطفال الشوارع نموذجا.


دراسة ميدانية حول الأطفال في وضعية صعبة: أطفال الشوارع نموذجا. الحلقة الأولى:

الدراسة طرحت مجوعة من الإشكالات كمنطلقات أساسية ينهجها أي باحث يتوخى الموضوعية، هذه الإشكالات يمكن حصرها فيما يلي:

تساؤلات الدراسة :لاشك أن المجتمع المغربي شأنه في ذلك شأن باقي المجتمعات عرف مجموعة من التغيرات العميقة على جميع المستويات الشيء الذي أفرز مجموعة من الظواهر الاجتماعية الخطيرة بما في ذلك ظاهرة أطفال الشوارع، والذي رغم انعدام الأرقام الحقيقية فإنها تشكل إحدى المشاكل الآنية والمؤسفة.

فتحت طائلة مجموعة من العوامل هناك آلاف الأطفال يوجدون في المغرب في وضعيات صعبة، تنعدم لديهم أبسط شروط الحياة. مما يدفعهم إلى امتهان حرف لا تليق بطفولتنا التي نعقد عليها أمل المستقبل، فهم في ملتقى الطرق الرئيسية يتسولون، ويمسحون زجاج السيارات، وينامون في أماكن عمومية وتحت العمارات وبالغابات المجاورة للمدن مما يجعل الظاهرة تتطلب تحركا حكوميا ومدنيا مستعجلا لوضع حد لانتشارها، ولما تشكله من خطورة على مستقبل البلاد لذا:

 

* تساءلت الدراسة عن الأسباب الحقيقية التي ولدت الظاهرة؟

* عن الخصوصيات النفسية والاجتماعية لأطفال الشوارع بإقليم الرشيدية ؟

* عن المجهودات التي تبذلها الدولة والمجتمع المدني لصالح تلك الفئة من الأطفال بإقليم الرشيدية؟

* عن المسؤول عن ظهور الظاهرة وانتشارها بالإقليم؟

* عن الوضع الصحي والنفسي لهؤلاء الأطفال؟

* ألا يشكل بقاؤهم بالشارع مسألة جد صعبة تؤدي بهم إلى العديد من الانحرافات؟

* ألا يعرضون أنفسهم لخطر الاستغلال واستهلاك المخدرات؟

إن هذه الدراسة حاولت طرح التساؤلات وتوسيع آفاق الرؤية وإثارة النقاش أكثر مما تحاول تقديم إجابات جاهزة لا وجود لها أصلا على أرض واقع الإقليم، فالحياة عند أطفال الشوارع في صحتها واضطرابها هي دينامية أبعد ما تكون عن السكوت.

أهداف الدراسة: هدفت إلى كشف وضعية الطفولة في وضعية صعبة بإقليم الرشيدية والتي ظلت لحد إنجاز هذا العمل وضعية غامضة حيث لم يتناولها أي من الباحثين المختصين. فالظاهرة بالإقليم جديدة رغم أن جذورها قديمة، فلا زالت لم تخضع لقواعد المنهج العلمي المتبع في دراسة الظواهر النفسية والاجتماعية.

الدراسة أيضا هدفت تقديم رؤية مفتوحة عن تحولات الحياة في غناها وتشعبها ورصدت واقع أطفال الشوارع بالإقليم واطلعت على أوضاعهم وأحوالهم النفسية والاجتماعية والصحية وذلك بالإجابة على الأسئلة التي قدمتها.

كما هدفت الخروج بتوصيات واقتراحات انطلاقا من النتائج بهدف تسهيل إدماج تلك الفئة التي أصبحت تتفشى يوما بعد يوم وما يمكن أن تشكله من خطورة على المجتمع عموما والإقليم على الخصوص.

إن الدراسة توجهت بالتحليل والمناقشة مجموعة من الأطفال يعيشون لوحدهم أو في شكل مجموعات بأزقة وشوارع المدن والقرى إن الأمر يتعلق بأطفال هاجروا أسرهم أو ليست لديهم أو نتيجة مشاكل خطيرة أو تعرضوا لسوء المعاملة كما بينت مدى صعوبة بقاء هؤلاء الأطفال في الشوارع وانزلاقهم في العديد من الانحرافات.

ولأن البحث ركز بالأساس على أطفال الشوارع، فهو استثني الفئات الأخرى من الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، والتي يمكن دراستها في الملاجئ ومراكز حماية الطفولة والرعاية الاجتماعية  أوالصحية  أو تلك المصابة بأمراض مزمنة أواعاقات…

 الجزء الثاني

تعرض هذه الدراسة بعض المفاهيم الأساسية التي تستخدم غالبا في الدراسات والبحوث العلمية التي تتناول موضوع الأطفال في وضعية صعبة وتعد مقاربة بعض تلك الجوانب المفهومية مسألة أساسية ضمن أي دراسة ميدانية واستطلاعية أوتحليلية نقدية مهما كانت مقاصدها وأهدافها، وفي ما يلي بعض المفاهيم التالية التي سنقوم بتحديدها:

الطفل: كلمة طفل كثر استعمالها في مجالات اهتمام متنوعة ومختلفـة فوجدت في الدراسـات والأعمـال الاجتماعيـة والنفسيـة والتربويـة… كما داع صيتها في مجـالات الخطاب السيـاسي  والاعلامي.

والطفل لغة هو«البنان الرخص المحكم، الطفل بالفتح : الرخص الناعم، والمصدر الطفالة، والجمع طفال وطفول والطفل والطفلة: الصغيران. والطفل: الصغير من كل شيىء بين، الطفل والطفالـة والطفولية ولا فعل له»[1]

وفي المعجم الوسيط: الطفل الرخص الناعم الرقيق وفي القرآن الكريم «اذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستاذنوا»[2]

اصطلاحا الطفل «عضوية وحيدة من نوعها وغير قابلة للانقسام ولذلك فلا بد من دراستها وقدرها بصورة منفصلة عن سواها»[3]

والطفل هو كائن انساني صغير السن في طور التكوين لم يصل بعد  الى سن الرجولـة  أي الصغير منذ ولادتـه حتى يتم نضجه الفكري والنفسي والاجتماعي وتتكامل لديه عناصر الرشد.

واذا انتقلنا من سجل اللغة الى سجل الناحية الاجتماعية نستنتج صعوبة الوقوف على تحديد معين، فالتعريفات تفضي الى تأويلات مختلفة ومتغيرة باستمرار والسؤال هو أين تبدا الطفولة واين تنتهي؟ قد يبدو السؤال بسيطا والاجابة عنه بديهية ولكن اختلاف الاجابات يجعل كل محاولة تحديد عمل غير مضمون ولا يعدو الا أن يكون اقتراحا اجرائيا حسب طبيعة البحث ومجال التخصص. ومن هذه الوجهة تجد المقاربة السوسيولوجية نفسها أمام مهمة صعبة تتمثل في التدليل على أن السن انتاج اجتماعي يتطور عبر التاريخ ويتخد أشكالا متنوعة حسب الحالات الاجتماعية وهنا يقر عالم الاجتماع الفرنسي “بيير بورديو” بأن هناك اتجاها عاما في علم الاجتماع يعتبر الحـدود بين الاعمـار أو الشرائح العمرية حدودا اعتباطيا”[4].

ومن الناحية القانونية فبمجرد أن تلتفظ بعبارة حدث يتبادر الى الذهن الطفل أواليافع المهمل والمهمش وهكذا ففي ظهير 1993 المتعلق بالأطفال المهملين أورد تعريفا لكلمة الطفل بتحديـد سن معيـن له وذلك في المادة الأولى حيث نص على أنه «يعد طفلا مهملا كل قاصر ذكر أم أنثى لم يبلغ سن الثامنة عشرة سنة ميلادية كاملة»[5].

وقد اقتصرت هيئة الأمم المتحدة  في اتفاقية حقوق الطفل المؤرخةفي 20 نونبر 1989 حيث عرفت الطفل بأنه «كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة، ما لم يبلغ الرشد بموجب القانون المطبق علي»[6].

الشارع: «الطريق الأعظم الذي يشرع فيه الناس عامة وهو على هذا المعنى ذو شرع من الخلق يشرعون فيه»[7].

ومن الناحية القانونية فهو مكان عمومي يلجه كافة الناس حتى أن القانون يحميه لكل الناس، أنه ملك عمومي.

ومن الناحية الاجتماعية: فهو فضاء مفتوح و غير مؤطر.

الوضعية: قد تتكون الوضعية من أنواع مختلفة من المثيرات الفيزيائية التي تؤثر على حواسنا كالاشارات الضوئية أوالحرارية… الخ كما قد تتكون من أشياء وأفراد ومن العلاقات القائمة بينهما.

الصعب: “خلاف السهـل، نقيـض الذلـول والأنثى صعبة بالهـاء، وجمعهما صعاب ونساء صعبات بالتسكين لأنه صفة”[8].

تعريف اطفال الشوارع:

هناك كثير من الخلط واللبس وعدم الوضوح والدقة في استخدام هذا المفهوم ومع ذلك نجد أن المصطلحات تتأرجح ما بين: الاطفال في وضعية صعبة، الأطفال المهملون، أطفال الشوارع ،الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة… إن اختلاف المصطلحات مرتبط بتعدد المجالات التي تدرس وتتعامل مع هذه الفئة من الأطفال، الطب، علم النفس، التربية، علم الاجتماع، القانون، علم الاجرام… ولكل فريق مصطلحاته الخاصة واستخداماته لهذه المفاهيم.

ولقد وضعت الأمم المتحدة سنة 1986 تعريفا جاء على الشكل التالي «أن الطفل ذكرا كان أو أنثى قد اتخد من الشارع بما يشمل عليه المفهوم من اماكن مهجورة… الخ محلا للحياة والاقامة دون رعايـة أوحماية أو اشراف من جانب أشخاص راشدين مسؤولين»[9].

فيما ذهب كل من د: ميلود حبيبي وأحمد تفاسكا وعلال بلعزيمة الى ربط المفهوم بالتشرد فقد عرفوه «بأنهم الأطفـال دائمي التسكـع والترحـال، لا يستقرون في مكـان واحد ويحملون أسماء مستعـارة ويعتمدون على أنفسهم في سد حاجاتهم اليومية بدون ان يكون لهم عائل أومأوى »[10]

فيما يعرف محمد الدريج أطفال الشوارع بقوله: «طفل الشارع هو كل طفل يقل عمره عن 18 سنة مهملا من طرف أبويـه أو من كافله أو ولي أمره، وبالتالي ليس له الرعاية الاسرية المناسبة أوالذي يعثر عليه متسولا أويجمع أعقاب السجائر أويقوم ببعض المهمات الصغيرة في الأسواق مثل بيع الأكياس البلاستيكية وحمل الخضر للمتسوقين أومسح الأحدية …»[11].

ويقول محمد عباس نورالدين في هذا الشأن: «ان عبارة أطفال الشوارع تعني في نظر الجماعة الأطفال الذين حرموا من الوالدين أو من رعايتهما، وبالتالي حرموا من المدرسة بحيث لم يعودوا يتوفرون على أية حماية ويتعرضون للانحرف»[12].

فيما ذهب الأستاد محمد مومن في تعريف أطفال الشوارع بأنهم: «الذين يعيشون بالشارع بصورة دائمة أوغير دائمـة، بدون حمايـة او رعاية من أي جهـة مسـؤولة سواء الأسرة أو أي جهة أخـرى، ويعتمدون على القيام بالعديد من الاعمـال الهامشية من أجل العـيش والبقاء بالشارع»[13].

 الجزء الثالث

 1_دراسة أجراها الدكتور ادريس الكتاني حول ظاهرة “انحراف الأحداث” وهي دراسة اجتماعية ميدانية في مدينة الرباط سنة1976. توصل من خلالها الى أن نسبة عالية من الأحداث المتشردين يعيشون في اسر متصدعة حيث % 70 من عينة الأحداث الدين شملتهم الدراسة، توصل ادريس الكتاني الى التحقق من فرضية مفادها وجود علاقة وثيقة بين التفكك الاسري وعملية التنشأة الاجتماعية يأتي اساسا من التفكك المعنوي الراجع لتخلخل العلاقات العائلية أكثر مما يأتي من التفكك المادي.

2_ الدراسة التي أنجزت بمدينة الرباط في موضوع نظرة تحليلية لظاهرة أطفال الشوارع بمدينة الرباط .سنة 1997 في إطار معهد تكوين مهن الصحة التابع لوزارة الصحة العمومية من طرف مجموعة من الطلبة الدراسة شملت 37 حالة من مدينة الربط خلصت إلى التحقق من ثلات فرضيات أساسية:

* خلصت إلى أن العوامل الإقتصادية للأسر هي من الاسباب الرئيسية لخروج الاطفال للعيش في الشارع.

* التفكك العائلـي الناتـج عن موت أحد الأبويـن أو كلاهمـا أومغادرة البيت لأحدهما يشكل عاملا أساسيا في خروج الطفل في الحياة  بالشارع.

* المستوى الثقافي للأب والأم له انعكاس على المستوى التعليمي أيضا للطفل.

3 _نشير إلى الدراسة التي أنجزتها كتابة الدولة المكلفة بالرعاية الإجتماعية والأسرة والطفولة وإدماج المعاقين نهاية سنة 1999 تم الوقوف على أهم الخصائص المميزة لأطفال الشوارع والأسباب التي تساهم  في استفحـال ألظاهرة الخطيرة خاصـة في المدن الكبـرى والمتوسطة ولاسيما في العقدين الأخيرين.

الدراسة توصلت إلى تقدير نسبي لحجم الظاهرة في ثمان عمالات 8780 حالة وهو رقم لابد أن يؤخد بتحفظ كما ورد في الخطة مسجلة مدينة آسفي أكبر عدد 2322 حالة بمعدل45.26 في المائة . كما سجلت أصغر نسبة بمدينة تطوان بحوالي 60 حالة بنسبة0.68 في المائة خطورة الظاهرة حسب الخطة تجلت فيما يلي.

– تهميش وإقصاء من أطفالنا لحساب شارع رهيب وغير مؤطر في مواجهة مصير مجهول وحرمان حاد من أبسط الحقوق الاساسية.

– التطور المضطرب للظاهرة بالرغم من غيـاب إحصائيات دقيقـة ودراسات معمقة بحيث أصبح من المألوف أن تجد في جل مدننا جماعات صغيرة من أطفال الشوارع في احلة تيه وتنقل بين الاحياء وبين المدن.

– جل أطفال الشوارع يتعاطون مخدرات غير مصنفة.

– أطفال الشوارع مهددون بشتى أنواع الإنحراف ومؤهلون للإنتقال من الإنحراف إلى الجريمة بتلقائية.

– خطورة الظاهرة تتجلى أيضا في وأن هؤلاء الأطفال يجتازون مرحلة حاسمة في تكوين شخصيتهم و نموها.

وللحد من ظاهرة أطفال الشوارع اقترحت الخطة عناصرمشروع وطني يمكن إجماله في ما يلي

1- المنطلقات و المسلمات

1-1 المنطلقات المرجعية: ديننا الحنيف، التوجيهات الملكية بخصوص الطفولة المشردة، برنامج الحكومة، اتفاقيات حقوق الطفل.

1-2 المسلمات: تعبئة الجميع، التصدي للظاهرة، ضرورة مقاربة شمولية منذمجة ومتكاملة تراعي البعدين الوقائي والعلاجي، تحسين أوضاع أطفال الشوارع رهينا بتحسين أوضاع أسرهم، توفير رعاية اجتماعية للمحرومين ضرورة إشراك أطفال الشوارع في بلورة البرامج التي تستهدفهم، أخيرا إشراك الأسر في إعادة إدماجهم.

2– الأولويات:

– لابد وأن تعطى الأولوية للمدن الكبرى والمتوسطة التي تستفحل فيها الظاهرة.

– التركيزعلى الاحياء الهامشية والأحياء الفقيرة مع ضبط الأسر المتفككة والمتداعية و الاسر الفقيرة.

– الإعطاء الأسبقية  للأطفال دون سن 12 سنة. والحديثي العهد بالشارع وخاصة الفتيات.

4_ الدراسات التي أجراها الأستاذ شكيب الرغاي تحت عنوان: “الطفل المشرد بين الإدانة والرعاية” توصلت الدراسة إلى غياب الملجأ للطفل المتخلى عنه أوالمحروم من الاسرة الهارب من العنف والقسوة ليصبح الشارع هو الملجأ لذلك الطفـل ،والسبب في ذلك هو أن الشارع يتوفر على آليات استقباله.

الدراسة توصلت بعد طرح عدة فروضات إلى إقتصار الجهات الرسمية في تعاملها مع الظاهرة على المقاربة القانونية -القبض استعمال المسائل الزجرية والادانة- كل ذلك يؤدي إلى التأثير النفسي  البالغ على الطفل ويعيق عملية إدماجه، كما أن مثول الطفل أمام القضاء يزيد من تعقيد وضعيته النفسية، توصلت الدراسة أيضا إلى أن مراكز حماية اطفولة لا تفي بدورها العلاجي مع شريحة المشردين، وأرجعت نتائج الباحث ذلك إلى خمس خلاصات:

– أن المراكزمخصصة لاحتضان جميع الاحدات المنحرفين.

– الطريقة الزجرية التي يصل بها الطفل إلى المراكز.

– وجود الطفل بهذه المؤسسة دون وجود مبرر مقنع له.

– ظروف الحياة بالمركز و طبيعة العلاقة الداخلية والمناخ العام للمؤسسة.

– نظرة الآخرين للمركز ونزلائه نظرة تحقيرية موصومة بالإنحراف.

– الدراسة أيضا توصلت إلى خلاصة مفادها غياب الإعتراف الرسمي للظاهرة مما جعلها لم تأخد ما تستحقه من العناية والحماية الشيىء الذي أدى إلى اعتماد الاسلوب الزجري العقابي عوض المقاربة العلاجية. كما توصلت إلى غياب رؤية شمولية مجتمعية تتقاطع مهمتها مع العديد من القطاعات والمؤسسات على رأسها الاسرة، ثم غياب رؤية وطنية رسمية للتعامل مع الظاهرة.

خلصت الدراسة إلى أن ظاهرة التشرد في صفوف الاطفال لا زالت مستمرة في التفاقم والإنتشار في غياب تدخل أو برامج علاجية مناسبة وفعالة وهذه مسؤولية يضيف الاستاذ الرغاي ملقات على عاتق المجتمع وممثليه، المؤسسات الإجتماعية والقانونية وغيرها عندما تفشل الاسرة أومن يقوم مقامها في توفير الرعاية للطفل.

5_ نشير أيضا الى الدراسة التي انجزها الأستاد محمد مومن في موضوع “أطفال الشوارع بالمجتمع المغربي” دراسة ميدانية.

الدراسة توصلت الى التحقق من فرضية عامة مفادها ترابط العلاقة بين المستوى الاقتصادي والثقافي المتدني للأسرة وبين خروج الأطفال الى الشارع حيث نسبة% 41,35 من آباء الأطفال الذين شملتهم الدراسة مهنهم غير محددة  و%68,62 في صفوف الأمهات بدون شغل وأن بقية المهن تبقى بسيطة سواء بالنسبة للأباء أوالأمهات مما يدخل الأسرة في خانة الأسر الضعيفة اقتصاديا.

الدراسة كشفت أيضا العلاقة بين المستوى الاقتصادي والثقافي المتدني للأسرة وبين خروج الأطفال الى الشارع حيث ان 47.33 في المائة  يسكنون براكة و73.25 في المائة بالكراج بالاضافة الى ذلك كشفت الدراسة ظاهرة الاكتظاظ حيث %62.51 من عائلات الأطفال المبحوثين يستقرون في غرفة واحة.

أما على المستوى الاجتماعي فالدراسة كشفت أن نسبة 70.04 في المائة من الأباء أميون و40.36 في المائة لم يسبق لهم أن تلقوا أي نـوع من التعلـيم وحتى الذين تمكنوا من التمدرس 27.14 في المائة كانوا ضحايا التسرب المدرسي في السنوات الاولى من التعليم الأساسي.

الدراسة أيضاخلصت الى الترابط الحاصل بين المعاملة القاسية للوالدين وخروج الأطفـال الى الشـوارع، الدراسـة ومـن خـلال النتائـج والاحصائيات أكدت مدى العلاقة بين التفكك الأسري وخروج الأطفال الى الشارع.

الدراسة أكدت ايضا العلاقة بين حياة الأطفال في الشارع من حيث ظروف الحرمان على كافة المستويات المادية والمعنوية وبين انزلاقاتهم نحو السلوك الجانح هذه العلاقة ذات دلالة احصائية.

ثم توصلت الى نتيجة مفادها وجود علاقة بين تعاطي طفل الشارع للتدخين والكحول واحيانا المخدرات وبين معاناته للحرمان من الشعور بالاستقرار.

الدارسة كشفت مدى العلاقة بين معاناة طفل الشارع من ألنظرة الدونية اليه من قبل الاخرين وبين عدم تقبله لوضعيته.

الجزء الرابع

صور عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي يفرز أطفالا في وضعية صعبة

1- البعد الأسري:

لا أحد ينكر أن الأسرة هي الخلية والوسط الطبيعي الذي تتشكل فيه البنية النفسية والاجتماعية والجسدية للطفل وذلك من خلال عملية التنشئة، فالأسرة المقدرة لواجباتها ومسؤولياتها والتي تدرك بأن لها ليس فقط إشباع مادي وإنما يتعداه إلى تحقيق مطالب نفسية فهي القادرة لوحدها بتفاعلاتها الجيدة وسمو العلاقات الإنسانية بين أفرادها على تحقيق الإشباعات النفسية للأطفال ولا يتأتى ذلك إلا بوجود الطفل بين أحضان أمه وتحت رعاية أبيه وبوجود إخوة وأشقاء يتقاسمون دور الرعاية فسلوك الطفل مؤشر مفيد لقدرته على التوافق مع البيئة المحيطة، كما أنه مؤشر لقدرة الأسرة على تهذيب سلوك الطفل.

ولكل بيئة أسرية ضوابط وأعراف سلوكية، حيث تختلف الأسر عن بعضها البعض في التقيد والالتزام بحدود الاعتبارات والقيود السائدة بين أفرادها. وقد يختلف موقف العائلة ذاتها في سلوك ما من حين للآخر ويكون ذلك التصرف مقبولا في مرحلة معينة  وغير مقبول في وقت آخر. ونتيجة فشل الطفل في مواكبة الاعتبارات السلوكية السائدة في العائلة والمجتمع، يضطرب سلوكه وهذا غالبا ما يكون نتيجة فشل في إرساء نواميس سلوكية وتربوية راسخة وواضحة ضمن إطار الأسرة. إن هذه المشاركة الحميمية في الحياة الاجتماعية هي التي تعطي للأسرة قـوة وفاعلية في تطبيع الطفل وتنشئته. أما في حالة فشلها فإنه يصبح عرضة للاحتواء من طرف جماعات فرعية بديلة تخضعه لمعاييرها وقيمها بما تقدمه له من نماذج يقلدها ويتوحد معها.

كما أن الحرمان وما يصاحبه من كبت لدى الأطفال في بعض الأسر العاجزة عن إشباع حاجاتهم الأساسية، تنتج حالة مستديمة من التوتر قد تعبر عن نفسها من خلال التمرد عن القيم والمعايير والأوامر الأسرية. مما يدفع الطفل إلى الالتجاء إلى الشارع للتسكع ومن خلاله يستمد نموذج أقرانه، وسرعان ما يشكلون جماعة ضيقة تعوض فيها الصداقـة والتآزر قصور الوسط الأسري.

كما أن التفكك الأسري بمختلف مستوياته سواء كان ناشئا عن انهيار كيان الأسرة بالطلاق أو الموت أو تعدد الزيجات أو الهجرة أو ناشئا عن ضعف الروابط العاطفية في الأسرة وفقدان أساليب التنشئة الاجتماعية السليمة ومقوماتها وسوء العلاقات العاطفية بين أفراد الأسرة رغم تواجدهم مع بعضهم البعض تحت سقف واحد، كل ذلك ينعكس بقوة على البنية النفسية والجسدية والعاطفية للأطفال “فالتفكك بصفة عامة ينعكس على الأطفال ويشكل تهديدا للدور الطبيعي في تربيتهم ورعايتهم ويرى “ابي اركوف” أن الحياة الغير السعيدة للزوجين ونشوب المشاكل والخلافات بينهما تعكس أيضا حياة سيئة ومشاقة للأطفال”.[1]

وتكاد تجمع أغلبية الدراسات على وجود علاقة قوية بين التفكك الأسري وخروج الأطفال إلى العيش بالشوارع “فغيـاب أحد الأبوين أو كليهما ينعكس على حياة الطفـل كما أن رحيل الأم يعتبر إحباطا وفقدانا لهذا السند العاطفي الهام”[2].

كما توصل “سبيتز” إلى نتائج مفادها أن الأطفال الذين انفصلوا عن أمهاتهم وهم صغار ظهـرت عليهم كثيـر من الانحرافات السلوكيـة والعاطفية كما ظهرت عليهم حالة اكتئاب سماها بالاكتئاب الانكلانتيكي[3].  فالأم إذن عامل مهم في تكوين شخصية الأطفال، وعلاقتها بالطفل تحدد أنماط سلوكية في استجابات الطفل نحو المواقف المختلفة وكذلك فإن غيابها يؤثر بصورة متفرقة في التكوين النفسي للأطفال وخصوصا إذا حدث انفصال في سن مبكرة فماذا عن غياب الأب؟

إن تأثير غياب الأب عن الأسرة يؤثر بشكل عام على البنية الأسرية حيث يؤثر على الزوجة وبالتالي في تعاملها مع الأبناء وقد يصل تأثيره على العديد من جوانب شخصية الطفل والسلوك والتي منها: التنميط، التمايز الجنسـي، التحصيل الدراسي والاجتماعي، الاستقلاليـة والسلوك العدواني، لذلك فالعلاقة بين الأب والأم لها تأثيرها البالغ على سلوك الأبناء وتوافقهم النفسي.

2- البعد المدرسي والثقافي:

* البعد المدرسي:

تأتي أهمية هذا المحور في كون المدرسة هي أول محطة تجريبية لسلوك حر يمارسه الطفل بعيدا عن رقابة أسرته، فرغم التوسع الكمي في توفير فرص التعليم العمومي وزيادة أعداد المـدارس والمدرسين والتلاميذ إلا أن النقـص المتزايد في الإمكانات الماديـة والبشرية والذي انعكس على ارتفاع كثافة الفصول الدراسية وانخفاض مستويات الأداء وارتفاع معدلات الرسوب وسوء العلاقة بين المعلـم والتلميذ أوانقطاعها بين المدرسة والأسرة، فضلا عن عدم العدالة في توزيع الخدمات التعليمية بين المناطق المختلفـة. وتزايد نفقات التعليـم والدروس الخصوصية…

أدى كل هذا إلى زيادة معدلات نسبة التسرب والهروب من المدرسة بسبب سوء الأوضاع أوالمعاملة داخلها. إضافة إلى افتقار المدرسة إلى أدنى مقومـات جـذب الطفل للدراسـة وخلق الدافع عنده للتحصيل العلمي وبالتالي الاندماج الاجتماعي. حيث تخلو عموما من التجهيزات المادية والصحية والبشرية والعلمية التي تحبب الطفل بالمدرسة فيبدأ الطفل بالهروب والنفور منها بعد سنتيـن أوثلاثة على الأكثر من تجربة التعليم وقد دلت التجارب على أن مرحلة السن تلك هي من أخطر مراحل الطفولة من حيث احتمالات التكيـف أوالانحراف إذا لم يندمج الطفل في جو المدرسة. فحرمان الطفل من المدرسة يفقده أهم مؤسسة اجتماعية تربوية يمكنها أن تلعب دورا رئيسيا في وقايته من الانحراف. كما أن حرمانه منها نهائيا في وقت مبكر يعني حرمانه من اكتساب العديد من القيم والمعايير الاجتماعية التي لم تتح له فرصة اكتسابها في أسرته. كما يعني حرمانه من اكتساب مثل عليا وبالتالي البحث عن البديل في الشارع من خلال رفقة السوء أوالتعاطي لأعمال غير مراقبة.

*البعد الثقافي:

إن الظاهرة لها انعكاسات كبيرة على مستوى الوعي والتربية بصفة عامة وقد تؤدي إلى تنشئة اجتماعية خاطئة يتقمصها الأطفال، تنتج عنها صراعات نفسية لديهم الأمر الذي يؤدي بهم إلى رفض قيـم الأسرة والبحث عن ملجأ آخرغالبا ما يكون هو الشارع “فالبيئة التي يعيشها هذا الطفل الفقيرة ثقافيا بالنظر إلى أمية الوالدين لا ترتكز على أساليب تربوية تراعي شعور الطفل وإحساسه، وإنما تعتمد أسلوب التأديب الجسدي واللفظي مما يؤثر سلبا على الطفل ويغيب الحوار بين الأبناء والآباء ويتسع التواصل من خـلال عبارات تفتقر إلى المرونـة ويغلب عليها الطابع القمعي”.[4]

3-البعد الاقتصادي:

تتعدد أسباب إفراز ظاهرة الأطفال في وضعية صعبة وتتداخل في أبعادها وفي هذا الصدد يعد العامل الاقتصادي أحد العناصر الرئيسية التي لها النصيب الأوفر في إفراز الظاهرة.

إن العامل الاقتصادي نقصد به كل ما له علاقة بحاجيات الطفل المادية والمعنوية والتي لها دور في نموه نموا ناقصا كالحرمان من وسائل الراحة، سوء التغذية، السكن غير اللائق، الدخل المنخفض أو الغير المحدد أو المنعدم. كلها عوامل سببها الفقر والحرمان من ضروريات الحياة الأساسية مما يضطر الطفل الذي يرزخ تحت تلك الظروف إلى ترك المدرسة

إن الحرمان المادي الذي يعانيه الطفل من الناحية الاقتصادية سواء تعلق الأمر بفقر الوالدين أو فقر المحيط الاجتماعي والثقافي الذي يعيشه، كل ذلك يساعد على تحويله بشكل مفاجئ من مجال الحياة الطفولية وما تقتضيه وتتطلبه من حقوق المجتمع عامة عليه، إلى رجل قبل الأوان يطلب منه المجتمع خصوصا الأسرة الفقيرة خدمات ليست في استطاعته، الشيء الذي يرسم مسارا خطيرا على مستوى نموه النفسي والاجتماعي والبيولوجي قد يؤدي به إلى البحث عن ملجأ آخر يحقق له رغباته وحاجاته فيجدها في الشارع.


الجزء الخامس

النتائج النهائية للدراسة الميدانية

الفرضية الأولى:

من خلال المعطيات المحصل عليها في بيانات التفريغ ومناقشة النتائج، تبين أن المعطيات الاجتماعية للبيئة الأسرية التي يعيش فيها طفل شارع إقليم الرشيديـة تستحـق الوقوف عليـها وتحليلها بشكل يسمح من التحقق من الفرضية الأولى التي تصب في هذا المنحى. وقد خلص الباحث إلى أن 65 % من الأطفال لم يعرفوا قط آباءهم فيما تبقى  إما مطلقة أو منفصلة 20%  مرتبطة 15 %.

يشكو أغلب الأطفال من عدم معرفتهم لآبائهم، و يتمنون معرفتهم ورؤيتهم. مما دفع مربياتهم في ظل غياب أي تغطية اجتماعية لهن إلى التعاطي للدعارة كمصدر رخيص للعيش حيث إن  45 % من الأطفال يعيشون من مصدرها الشيء الذي يدفع الأطفال إلى البحث عن فرص للشغل منذ نعومة أظافرهم 65% منهم يرغبون في الحصول على مهنة.

وفي نفس الاتجاه توصلت كثير من الدراسات خصوصا دراسات “جون بوبلي” وغيره من الباحثين المتأثرين بنظريته إلى أهمية ارتباط الطفل بأمه، وبما أن أغلب الأطفال المبحوثين فقدوا أمهاتهم منذ الولادة الأولى مما ولد ارتباطا قلقا في تلك المرحلة الشيء الذي ولد بعض الاضطرابات الانفعالية لدى نسبة كبيرة من المبحوثين تجلت تمظهراتها على مستـوى القلـق والإحساس بالانسحاب والاكتئاب والوحدة.

كما توصلت الدراسة إلى أن 85 % من الأطفال المبحوثين لا يحسون بالأمن في الوسط الأسري، وفي هذا الإطار ذهب  “أحمد اوزي” إلى وجود ثلاث عناصر تشكل مفهوم الأمن لدى الطفل وهي: الحب والقبول والاستقرار. إن الحب يقول “اوزي”  الذي يوفره الوسط الأسري الذي تمنحه الأم للطفل ضروري جدا لنموه ليس على الصعيد العاطفـي فحسب وإنما على الصعيـد الجسمـي والعقلي.

إن هذا التطور العاطفي يتم أولا في الأسرة من خلال تفاعلاته مع أفرادها ومن ثم قد يكون هذا التطور سويا أو مرضيا. إلا أن هذه الأسر تعيش في عموميتها وضعيات داخلية وبيئية تؤديان لا محالة بالطفل الى الانحراف. من هنا إذا كان الخروج إلى حياة الشارع. فهو من خصائص المحيط البارزة ومن خصائص الأسر عموما. وقد ظهر ذلك من خلال سوء التكيف الذي لامسه الباحث لدى الأطفال المستجوبين فقد ظهر على أنه قدر مفروض ترزخ الاسر تحته. وهي مغلوبة فعلا على أمرها إزاء ظروف قاهرة، وهي تنخرط في نشاط الدعارة كأسلوب أساسـي لكسب العيـش مما يولد تسيـبا وعجزا في رعاية الأطفال.

بهذا تكون الفرضية الأولى قد تحققت لأن التفكك قائم لدى أغلبية أسر الأطفال فهو إذن سبب رئيسي في خروج الأطفال إلى حياة الشارع.

الفرضية الثانية:

هناك علاقة دالة وذات بعد إحصائي بين المستوى الاقتصادي والثقافي لأسر الأطفال المستجوبين وخروج أطفالهم إلى حياة الشارع.

البعد الاقتصادي: لقد ورد في معطيات التفريغ ما يلي: 60% من الأمهات بدون عمل 30% منهن مجهولات أصلا 20% يتعاطين الدعارة، 10% متوفاة، 10% خادمات. البطالة إذن مظهر عام ميز أمهات الأطفال المستجوبين.

الآباء55%، مجهولون، 20% عاطلون، 15% توفوا، 5% حمال و5% مخزني. دخل الآباء لا يقل ضعفا عن دخل الأمهات فالأسرالتي تمت مقابلة أطفالهم  تعيش على عتبة الفقر المدقع فإذا كانت الأسرة تعتبر من الناحية الاجتماعية الخلية الأساسية في حياة الطفل خاصة خلال المراحل العمرية الأولى له. فإن أسرا كهذه تعتبر عاجزة فعلا عن القيام بتلك المسؤولية في تربية الأطفال وإشباع حاجاتهم ورغباتهم وهي نفسها في حاجة إلى من يشبع لها رغبتها الاقتصادية، وبالتالي فهي تخلق مشاكل للأطفال وتؤثر على مجرى حياتهم.

فالبطالة مظهر عام على هذه الأسر وما يلاحقه من فقر مدقع، فـ 40% من الأسر تعيش على مدخول الدعارة، 10% يعيشون على دخل الطفل نفسه، 20% على مساعدات من هنا وهناك، وتبقى 10% فقط ممن يعيشون على دخل آبائهم.

على العموم فمهن الآباء غير محددة وهي في عموميتها منعدمة وبسيطة، أما الأمهات فأغلبهن يتعاطين الدعارة والنتيجة أن أغلب تلك الأسر هي من الطبقة السفلى الضعيفة جدا حيث الحرمان المادي والظروف الصعبة والقاسية.

فهذه الأسر تشكل نموذجا للبؤس المادي، المحيط مفكك تطغى عليه كل أشكال التكيف، ظواهر تحت التكديح، البطالة، الدعارة، ركاكة التكوين، جل الأطفال يجهلون آباءهم وأمهاتهم والعجز عن مجابهة مشاكل الحياة؛ أسر على هذا الشكل لا يمكن أن تؤمن لهؤلاء الأطفال الظروف المعقولة للنمو السليم، وبالتالي عدم قدرتها على تحمل مسؤولية أطفالها سرعان ما وجد هؤلاء الأطفال أنفسهم بالشارع.

البعد الثقافي: من خلال المعطيات الواردة في التفريغ توصلت الدراسة إلى أن 55% من آباء الأطفال المستجوبين لم يتلقوا أي نوع من التعليم، وبالتالي فهم في عداد الأميين 10% فقط تلقوا تعليما ابتدائيا بينما 35 % مجهولة أصلا. هذا علاوة على أن 60% من الأمهات أميات، أيضا 5% لها تعليم أساسي، بينما تبقى 35% في عداد المجهولات. إن الأمية والفقر التعليمي هما مظهران أساسيان ميزا أسر الأطفال المبحوثين.

أسر الأطفال المستجوبين: تتميز بالبدائية المفرطة والبؤس الثقافي حيث تفتقر إلى أبسط أسس تربية الأطفال كل ذلك في ظل غياب تام للجهات الاجتماعية الأخرى التي تمارس مهامها التربوية نيابة عنها.

الحضور القوي للبؤس الإقتصادي والفقر الثقافي يحققان الفرضية الثانية.

الفرضية الثالثة:

هناك علاقة دالة بين نمط حياة الطفل في الشـارع وسبب الانحراف:

  • التذكير ببعض المعطيات الواردة في التفريغ المرتبطة بنمط حياة الطفل بالشارع.

  • كيف يقضي وقته: 55% يعملون، 15 يتسولون، 10 % يسرقون، 20% يتابعون الدراسة.

  • التدخين والمخدرات: 80% لا يتعاطى أي شيء 15 % يتعاطى التدخين و5% يتعاطى المخدرات.

  • مكان النوم: 50 % دور الدعارة، 40 % الشارع 10 % العائلة.

  • كيف ينظرون الى ذواتهم: 85 % ساخطة على الوضع، 15 % لها نظرة ايجابية رغم ما تعانيه.

تحليل المعطيات:

بنظر علماء نفس الطفل لكي يصبح الطفل السوي راشدا ينبغي أن تنمو شخصيته على صعيد ثلاث جوانب متوازية وهي جد متداخلة في الوقت نفسه فيما بينها وهي: الجانب العاطفي، الجانب العقلي والجانب الجسمي.

*على المستوى النفسي توصل البحث إلى أن جل الأطفال المبحوثين 85 % منهم يشعرون بالقهر من جراء الظروف القاسيـة. مما أكسبهم نظرة سلبيـة تجـاه ذواتهـم ويستشعرون نقصا كبيرا فيما تبقى 15 % ممن لهم نظرة مرتاحة تجاه الحياة رغم اعترافهم بعمق المشاكل التي يعانونها. ففي البيت 50 % منهم يحسون بقهر تجاه العاهرة “الأم” وفي الشارع 80 % يحسون بالقهر أمام أطفال آخرين أقوى منهم مما يدفع هؤلاء الأطفال المستجوبين إلى البحث عن حل جديد فيعثرون عليه بالشارع.

أكدت نتائج الدراسة أيضا أن 80 % من الأطفال المبحوثين يشعرون بالخوف والرهبة الناتج عن عدم الاستقرار فأغلبهم لا يثقون في أي كان. ويخافون الدرك والشرطة ويحسـون بالوعي بالتهميـش وتنامي الإحساس لديهم بعدم رغبة المجتمع في إعادة إدماجهم.

إن هذا النوع من التهديد الذي يستشعره طفل شارع إقليم الرشيدية يدفعه إلى الإحساس بالرفض الاجتماعي والإهمال والافتقار الحميمي، وكلها عوامل تؤدي لمشاعر القلق والعزلـة والاكتئـاب والغيرة والوحدة، فكثيـر منهم صرح بأنه كئيـب ووحيد وقلق وأنه يتمنى أن يكون مثل الناس الآخرين.

توصلت الدراسة إلى الحضور القوي للخجل من طرف الفتيات المبحوثات وهو سلوك يتسبب في تجنب المواجهات الاجتماعية ويعيق عملية سير عمليات التفاعل الاجتماعي كما اتضح من خلال المقابلة أن علاقة الأطفال مع المجتمع تتميز بالشك والحذر والخوف والدونيـة والتجنب والتهـرب والاستغاثـة والرضوخ، لذلك فأطفال وطفلات شوارع إقليم الرشيدية ينشأون تحت شعـار هذه الغربـة، ويرزخون تحت وطأة الوصمة الاجتماعية أو ضد ما يسميه مصطفى حجازي بقانون المدينة وهم يفتقرون في الحالتين إلى شروط الانغراس الاجتماعي السليم.

*من الناحية العقلية: توصلت الدراسة إلى وجود بدائية ذهنية نابعة من فقر محيط إقليـم الرشيديـة وقلة المحفزات للنمو العقلي، فتاريخهم الطويل من العيش في أوقات فقيرة أو يائسة وعدم انتظام دراستهم لم تتح لهم الفرصة مطلقا لإبراز إمكاناتهم.

لاحظ الباحث أيضا أن هناك صدا عقليا وضعفا للقوى والإمكانات الذهنية نتيجة لفقدان الثقة بالنفس، الشعور بالضياع، الشعور بالعجز من ناحية، وقلة الاهتمام وانعدام الرغبة والميل إلى السلبية والتراخي والانقياد لظروف الحياة من ناحية أخرى. وكلا الأمرين ينتجان عن الفراغ العاطفي الذي عانوا منه ولا زالوا. كما لاحظ الباحث الشعور لدى هؤلاء الأطفال بفقدان القيمة والضياع والوحدة حيث 90 % منهم يبدون خوفهم من الحياة و85 % من الستقبل.

فطفل شارع إقليم الرشيدية لا يستطيع تحمل الإحباط، إنه يخشاه ويعيش في الحاضر بما يحمله من أحداث، من صعوبات ويغرق فيه لدرجة يصعب عليه معها تصور حلول ممكنة في المستقبل. ويبرز من خلال ما توصلت إليه المقابلة في وجود الحاجة الماسة إلى الحل الآني للمشكلة وبشكل محسوس.

فهذا نموذج الطفلة: ح، والأمثلة كثيرة، الطفلة التي تبلغ 15 سنة من العمر والتي  فقدت أمها وأباها وانقطعت أخبارهما وهي لا زالت جد صغيرة تعيش مع امرأة لا تحبها، هذه الأخيرة لم تستطع أن تعوض لها الأضرار التي لحقت بحنان في نموها وتوازنها النفســي وظلت صغيرة من الناحيـة العاطفيـة والذهنية حيث ورد في المقابلة أنها أعزل تماما أمام الحياة غير منغرسة، فاقدة لكل سند وقلقة كثيرا بصدد المستقبل لا تعرف أين ستذهب وماذا ستعمل وأي شيء ينتظرها.

*من الناحية الجسدية: على العموم، سوء التغذية وانعدام النظافة هو مظهر عام على صحة الأطفال المبحوثين الذكور حيث الأوساخ اللصيقة بالجلد في الأيدي والأرجل. أما الفتيات فيبدو عليهن الاصفرار و قلة الحيويـة والنشاط.

على العموم هناك اختلال في تنشئة هؤلاء الأطفال وعملية الاندماج الاجتماعي فجلهم في مرحلة نموهم الحاسمة يتعرضون لأوضاع لا تسمح لهم بأن يتمثلوا نماذج التكيف الحياتي. إنهم لا يحظون بالرعاية الكافية والصحيحة، إنهم أداة أو عبء فخروجهم إلى الشارع هو على العموم اضطراري تحت الواقع الاجتماعي والثقافي والاقتصادي المزري.

  • 100 % من الاطفال لم يكن خروجهم إلى الحياة بالشارع نتيجة رغبة ذاتية.

  • 100 % يبدون رغبتهم في الاندماج.

  • 55 % تعمل، 20 % تتابع الدراسة، 15 % تتسول، فقط 10 % تسرق.

  • 80 % لا تتعاطى أي نوع من التدخين أو المخدرات،15 % تتعاطى التدخين، فقط 5 % تتعاطى المخدرات.

رغم أن طفل شارع إقليم الرشيدية يعيش وضعا قاسيا بالشارع فلم يكن هذا الأخير سببا في انحرافه، وبالتالي فالفرضية الثالثة لم تتحقق.


[1]  المراجع

ابن منظور ـ لسان العرب ـ ج 11 ، مادة الطفل ص 401

[2] سورة النور ـ عن ورش عن نافع ـ الآية 59

[3] فاخر عاقل ـ التربية قديمها  و حديثهـاـ  ص 456

[4] Pierre bourdieu « la jeunesse n’est qu’un mot  O.P.C.I.T p 143.

[5]  الشرقاوي القيرواني نور الدين ، أبحاث و تعاليق على ضوء تشريعات خاصة لقانون الأطفال المهملين 1995.

[6]  المادة الأولى من الاتفاقية الأممية لحقوق الطفل .

[7]  ابن منظو رـ لسان العرب، ج: 8، مادة شرع، ص: 176

[8]  ابن منظو رـ لسان العرب، ج: 1، مادة صعب، ص: 523.

[9] كتابة الدولة مكلفة بالرعاية الاجتماعية و اللأسرة و الطفولة  ـ مشروع استراجية وطنية للتصدي لظاهرة أطفال الشوارع  ـ 

[10]   مجموعة باحثين : تعليم المشردين و تدريبهم مهنيا ـ  منشورات المنظمة الاشلامية للتربية و العلوم ـ  الإيسيسكو 2000 ص 15/16 .

[11]   محمد الدريج :  الأطفال في وضعية صعبة . ساسلة المعرفة للجميع  منشورات رمسيس العدد25 غشت/شتنبر 2002  ص 130.

[12]   محمد عباس نور الدين  التنشاة الاجتماعية للطفل ، سلسلة المعرفة للجميع منشورات رمسيس العدد 1 نونبر 1998 ص 20.

[13]  محمد مومن : ظاهرة أطفال الشوارع بالمجتمع  المغربي ـ دراسة ميدانية  ـ  دراسة لنيل دبلوم الدراسات العليا المتخصصة  كلية علوم التربية 2001/2002 ص 51 .

[1]  رعاية الطفل المحروم، مجموعة مؤلفين – معهد الإنماء العربي . ط1- 1989 ص27.

[2] عبد العالي الجسماني- علم النفس وتطبيقاته الاجتماعية والتربوية- ص:420.

[3]  نفس المرجع- ص:276.

[4]  محمد عباس نور الدين، سلسلة المعرفة للجميع- منشورات رمسيس العدد 1 نونبر- ص

موقع غريس                                                                                    

محمد خلوفي

psychomoha@hotmail.fr

                                                    باحث في علم ا لنفس الطفل     

 
 
 
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: