Posted by: tarbeyawatakwin | يناير 10, 2013

حقوق الانسان بين الاسلام والميثاق العالمي


ينظر العالم الغربي الى الميثاق العالمي لحقوق الانسان كثمرة مهمة ويرى فيه نموذجاً لا يمكن تحققه بسهولة ويراه كفيلاً وكافياً لضمان حقوق الانسان، ويعمم ذلك الى العالم كله، فيأخذ هو زمام المبادرة في محاربة الحكومات في الدول التي يرى انها لا تراعي الميثاق العالمي لحقوق الانسان واضعاً العقبات بشتى انواعها امام هذه الدول لإرغامها على رعاية هذا الميثاق وعلى عدم تجاوزه بجميع مفرداته، وتولت المنظمة العالمية لحقوق الانسان التابعة للامم المتحدة تلك المهمة وكانت في اغلب الدول تقوم بمهمة المراقبة ورفع تقاريرها الى تلك المنظمة لتصدر بيانها السنوي الشهير منتقدة فيه الدول التي تتجاوز ذلك الميثاق وبيدها سلاح الاقتصاد والمساعدات الدولية تحارب به تلك الدول.

وتواجه هذه المنظمة اشكالية كبيرة على أرض الواقع اذ من الواضح في بياناتها السنوية ان الضغط السياسي الذي توجهه الدول الكبرى يطغى على المسار الحقيقي الذي ينبغي ان تتجهه فيتركز النقد على الدول المخالفة لهذه الدول الكبرى ويسلم من النقد من يكون موالياً لهذه الدول، ولكن ما يهمنا هنا هو ملاحظة نفس الميثاق العالمي لحقوق الانسان والنظر إليه من وجهة فكرية حقوقية.

لمحة عامة عن الميثاق

يرجع الكلام في العالم الغربي عن حقوق الانسان لاول مرة الى عام 1789م وهو العام الذي صدرت فيه الوثيقة عن قيادة الثورة الفرنسية. ومن ثم في 10/2/1948م صدرت الوثيقة المعروفة بالميثاق العالمي لحقوق الانسان عن الجمعية العامة للامم المتحدة وهذه الوثيقة المكوّنة من ثلاثين مادة اصبحت من الحقوق الطبيعية لاي مواطن في أي دولة كان، ومن واجب الدولة تأمين هذه الحقوق للانسان، ولابد لنا من ذكر مجموعة من المواد المهمة الوارة في هذه الوثيقة .

مادة 1: يولد جميع الناس احراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم ان يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الاخاء.

مادة 2: لكل انسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان دونما تمييز من أي نوع ولا سيما التمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس او اللغة أو الدين أو الرأي سياسياً وغير سياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو المولد…

مادة 7: الناس جميعاً سواء امام القانون وهم يتساوون في حق التمتع بحماية القانون دونما تمييز، كما يتساوون في حق التمتع بالحماية من أي تمييز ينتهك هذا الإعلان ومن أي تحري على مثل هذا التمييز.

مادة 16: فرع1: للرجل والمرأة، متى ادركا سن البلوغ حق التزوج وتأسيس اسرة دون أي قيد بسبب العرق أو الجنسية أو الدين وهما يتساويان في الحقوق لدى التزوج وخلال قيام الزواج ولدى انحلاله.

المادة 18: لكل شخص حق في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل هذا الحق حريته في تغيير دينه أو معتقده، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم بمفرده أو مع جماعة وأمام الملأ أو على حدة.

المادة 19: لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الاراء دون مضايقة وفي التماس الانباء والافكار وتلقها ونقلها الى الآخرين بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود.

المادة 21: فرع 3: إرادة الشعب هي مناط سلطة الحكم ويجب ان تتجلى هذه الارادة من خلال انتخابات نزيهة.

الموقف الإسلامي من الميثاق العالمي 

وجد في العالم الاسلامي اتجاهان كموقف من الميثاق العالمي

الاتجاه الأول: ويتجه نحو عملية رفض لهذا الميثاق لاسباب متعددة نأتي على ذكرها ويطرح بديلاً لذلك هو النظام الاسلامي لحقوق الانسان معتمداً فيه على النصوص الدينية والسيرة النبوية، وكنموذج لذلك صدر عن جمعية الاخوان المسلمين في مصر سنة 1952 مشروع دستور اسلامي للدولة المصرية، وأصدر مجمع البحوث الاسلامية في الأزهر مشروع دستور اسلامي سنة 1978، وفي 5 آب 1990 ميلادية وفي اطار منظمة المؤتمر الاسلامي صدر اعلان القاهرة حول حقوق الانسان في الاسلام وتضمن هذا الاعلان خمساً وعشرين مادة تحدثت عن العديد من الحقوق وتشترك هذه المواد مع الميثاق العالمي لحقوق الانسان في بعضها وتفترق في بعضها الآخر. 

الاتجاه الثاني: دعا أصحاب هذا الاتجاه الى ضرورة القبول بالميثاق العالمي لحقوق الانسان وذهب هؤلاء الى عدم امكانية طرح نظام عالمي لحقوق الانسان بديلاً لما هو الموجود ويمكن القول ان دعوة هؤلاء تعتمد على نقطتين:

الأولى: انكار ضرورة ان يكون هنالك طرحاً اسلامياً لحقوق الانسان ليكون ميثاقاً عالمياً بل عدم امكانية طرح مثل هذا في عالم اليوم.

الثانية: الدعوة الى قبول الميثاق العالمي لحقوق الانسان والعمل عليه وتطبيقه في بلاد المسلمين، ونتجه في هذه المقالة الى دراسة الاتجاه الثاني بعد ملاحظة منطلقاته، والبحث فيه يرتكز حول حقوق البشر تكوين حقوق البشر، وفلسفة حقوق البشر، ونقد البشر الميتافيزيقية والدعوة الى القبول بالميثاق العالمي لحقوق البشر. وذلك ضمن محورين اساسيين:

المحور الأول: الدفاع عن الميثاق العالمي لحقوق الانسان ومحاولة الهروب من العديد من الاشكاليات المتجهة على هذا الميثاق.

المحور الثاني: نقد القول بوجود ميثاق اسلامي لحقوق البشر ودعوى عدم امكان الالتزام بوجود ميثاق اسلامي لحقوق البشر يكون عالمياً.

أما المحور الأول:

لو أردنا النظر الى عوامل النشأة في الميثاق العالمي لحقوق الانسان لوجدنا أنه هو ” الضرورة التاريخية ” لاجل الحد من الحروب والنزاعات الدموية، ولم تنشأ حقوق البشر من سلسلة بحوث المعرفة الانسانية أو الدينية، ان التوصل الى توافق على المسائل الفلسفية والدينية لن يحصل في أي وقت من الاوقات، والميثاق العالمي هو عبارة عن طريق حل وتوافق عالمي لاحترام الانسان وفي محاولة دفاعٍ من قبل هؤلاء عن التضاد بين الميثاق العالمي وبين الدين يدّعي هؤلاء ان محتوى الميثاق العالمي لحقوق البشر هو غير ديني ولكنه ليس ضد الدين، ان كون الميثاق العالمي يرى الانسان هو الذي يحق له ان يعيّن معنى كونه انساناً وانه لا يحق لاي مرجعية سواء كانت دينية أو غيرها أن تجبر الانسان على انتخاب شيء معين في هذا المجال، كل هذا ليس ضد الدين وان لم يكن محتواه دينياً، فان هذا لا يعني عدم ثبوت الحق للمؤسسات الدينية في السعي لاجل هداية الانسان وتعريفه بانسانيته ولا يدلل الميثاق العالمي لحقوق البشر باي نحوٍ من الانحاء على ان الله لم يرسل الرسل لهداية الناس.

ويرى هؤلاء ان للميثاق العالمي ميزة لا توجد لغيره الا وهي ان حقوق البشر هذه والتي هي اخلاقية غير دينية هي التي يمكنها ان تكون محل اعتماد جميع الناس مع اختلاف ثقافاتهم وأديانهم وهذا أمر لا يتوفر في حقوق البشر الميتافيزيقية ـ ما وراء الطبيعة ـ .

وفي مواجهة اشكالية كون الميثاق العالمي وليداً للثقافة الغربية حيث ان اصحاب الاتجاه الاول يوجهون نقدهم له من جهة كون الميثاق العالمي هو حاصل ثقافة غربية ونحن لا نؤمن بتلك الثقافة ولا بجدوى تلك الثقافة في حل مشاكل الشرق لاجل التفاوت الموجود بين الثقافتين حتى مع تجاوزنا لمسألة الصحة والفساد، فالمسألة في عالم التطبيق غير مجدية لان ثقافة الغرب تحمل هموم الغرب ومشاكله وهي تختلف عن مشاكل الشرق وهمومه.

يجيب هؤلاء عن هذه الاشكالية بان الميثاق العالمي هو نتاج المدنية، والمدنية والتمدن لا تحمل أي ثقافة، لانها ظاهرة عالمية لا تختص بالغرب، نعم الفارق بين الشرق والغرب في سعة هذه المدنية وضيقها ومحدوديتها، ومتى كانت أمراً ملازماً للتمدن الانساني والتمدن لا يحمل اية ثقافة فهي لا تحمل أي ثقافة ولا تسعى للترويح اليها، بل هي تنظر الى الانسان بطبيعته المشتركة مهما اختلفت ثقافته وهمومه ومشاكله.

ومن اهم الاشكالات التي تطرح على الايمان بالميثاق العالمي هو تنافي الميثاق العالمي مع الشريعة الالهية ويحاول هؤلاء الاجابة على ذلك بان الميثاق العالمي لا يسعى لنفي أي دين واي نظرية دينية، والشاهد على ذلك ان بعض من عمل على هذه الوثيقة كان ممن يعتقد بالوحي ولذا آمنت به الكنيسة الكاثولكية في الفاتيكان، وامام النص الوارد في المادة، والذي ينص على ان لكل شخص الحق في تغيير دينه او معتقده يتجه هؤلاء الى محاولة تبرير ذلك عبر خلق خصوصية دينية، وتوضيح ما ذكره انما يتم عبر بيان ما يذكر لأجل تبرير وجهة النظر الدينية في عدم الحرية الدينية، يحمل السيد الطباطبائي لحل المشكلة وجهاً يرجع الى انه من الطبيعي لله عزوجل الذي ارسل هذه الشريعة للانسان ودعاه الى الايمان بها ان يمنعه عن الايمان بغيرها وتركها، كما هو الحال في المقنن لاي قانون حيث انه من غير الممكن ان يجعل قانوناً ويسمح للناس بمخالفته لان ذلك يشكل تناقضاً صريحاً، وعليه فمن الواجب على من يضع القانون أن يضمنه ما يحفظه عبر الدعوة الى الايمان به وعدم تركه ويرى اصحاب هذا الاتجاه الامر مخالفاً ومعاكساً لما ذكره السيد الطباطبائي وأن قياس الشريعة الالهية بالقوانين البشرية في هذه الجهة غير صحيح، لانه من الطبيعي فيمن يضع قانوناً بشرياً ان يدعو الى الايمان به ولا يسمح بالتخلف عنه ولكن الامر في الشريعة الالهية مختلف لان الله عز وجل ليس هو من يعمل على تطبيق القانون في الارض بل الله عز وجل يبلغ مجموعة القوانين هذه الى الناس عبر انبيائه ويبلغهم عن طريق السعادة وطريق الشقاء ولا تناقض ان لم يجعل في الأرض من يجبرهم على انتخاب طريق السعادة فاذا قال لهم انتم احرار في انتخابكم فلا يوجب ذلك أي تناقض بل الخطاب الالهي بانه هو الغنيّ عن العالمين.

هذا عرض لما ذكروه في مقام دفاعهم عن الميثاق العالمي لحقوق البشر ونأتي هنا الى دراسة هذا المحور وفي بادئ الامر لابد من لفت النظر الى انه لم يقع البحث لدى هؤلاء في نقطة هي اسبق علمياً في هذا البحث عما ذكروه وهي حول “من له حق وضع القانون” أي من له “حق التقنين” ، فاصحاب الاتجاه الاول يصرّون على ان من له حق وضع القانون هو الله خالق البشر لانه هو الذي خلق الانسان وهو اعرف باحتياجاته وبما ينظم حياته ولكن لو أردنا التجاوز قليلاً عن ذلك لنعطي الانسان ذلك الحق، يأتي السؤال هنا بانه أي انسان هو هذا الذي له الحق؟ يعجز هؤلاء عن تحديد ذلك، ومع تعدد المحاولات للذهاب الى تحديدات متعددة لذلك ولكن الامر لا يزال مثار جدل، لان أي معنى يمكن ان يعطى لا يملك ان يكون متوافقاً عليه، ولو أردنا توسعة المعنى كثيراً لواجهنا امتناعاً خارجياً لان أي مجموعة تريد أن تجلس لتضع ميثاقاً عالمياً لابد لها من أن تكون متحدة الاتجاه والثقافة والفكر ومن غير الممكن ان يتولد من مجموع اختلافات توافقاً مكوّناً من عشرات المواد يكفلُ له حق الانسان ومتى كانت القضية كذلك فلماذا عليَّ انا (الشرق، المسلم) ان اعطي الآخر (الغربي) مهما كان عظيماً في قوله وفكره وتجربته الحق ان يصدر قانوناً عالمياً مع اختلافي معه في الفكر والثقافة والدين، ان مجرد الاشتراك في الانسانية لا يعني لزوم قبول جميع الانسانية بهذا الميثاق، ليس الانسان في عالمه الذي يعيشه مجرداً عن الثقافة والبيئة التي يعيشها، فلماذا ينبغي على الشرقي القبول بذلك الميثاق ولماذا يحق للغربي ان يضع قانوناً وميثاقاً عالمياً دون ان يكون للشرقي الحق في ان يشارك في هذا القانون، وان يكون له الحق في التدخل في عملية تشريعه؟

ستارتايم

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: