Posted by: tarbeyawatakwin | ديسمبر 29, 2012

الممارسات العملية وعلم النفس النمائي


الممارسات العملية وعلم النفس النمائي

ترجع الأفكار حول التربية العامة والحرة إلى العهود اليونانية والرومانية ، فقد نشأ مفهوم التربية الحرة في اليونان تدريجياً ، وعدت تلك التربية حرة للتوزيع المتوازن

الذي ألحقته بالعقل والجسم . وتمثل الهدف الأساسي للتربية اليونانية في إعداد الفرد في إطار طبيعته الخاصة ليكون مواطناً للدولة .

وأصر أرسطو على أن تمتد التربية من الولادة حتى السن الواحدة والعشرين ، غير أنه رأى أن تمارس التربية التقليدية في بدايات البلوغ فيتعلم الأولاد القراءة والكتابة والحساب على أساس أن هذه المواد تشكل المنطلق المبدئي والعميق للدراسات اللاحقة ولم ينسَ أرسطو أهمية العلوم السياسية وعلم النفس ، فاعتقد شأن أفلاطون أن دراسة تلك المواد تشحذ القدرات العقلية .

ونشأت الممارسات التربوية الرومانية أبان صعود الإمبراطورية الرومانية واستمرت خلال فترات انحطاطها دون أن تحاول تبني مفهوم التربية الحرة التي تميزت بها الحضارة اليونانية ، فلم يهتم الرومان كثيراً بالتربية البدنية التي كانت بمثابة العمود الفقري للتربية اليونانية ، بل كانوا يهدفون إلى صناعة الخطيب الذي يجب أن يكون على إلمام تام بالفلسفة والقانون والأدب ولقد تصور الرومان الخطيب رجلاً مثقفاً وماهراً في صناعة الكلام .

وتشابهت المؤسستان التربويتان اليونانية والرومانية ، على الرغم من الاختلافات الكثيرة التي أشرنا إلى بعضها ، فقد كان الأولاد الرومانيون يلتحقون بالمدرسة الابتدائية بدءاً من السنة السابعة ويستمرون فيها حتى السنة الثانية عشرة حيث يتعلمون القراءة والكتابة والحساب وبعض جوانب القانون الروماني .

وكان الصبيان بعد السنة الثانية عشرة يرسلون إلى مدارس النحو حيث يطلعون على الكتابات النثرية ، والشعر والمسرحية ويدرسون التاريخ والجغرافيا والأسطورة وكادت مدارس النحو الرومانية تماثل مفهوم التربية الحرة لدى اليونان .

كان صبيان روما بعد إتمام مدارس النحو في السنة السادسة عشرة ، يرسلون إلى مدرسة البلاغة التي تقوم على الاستفادة مما تعلمه الفتى في مدرسة النحو لإجادة الحوار وإثارة حماسة الجماهير والتغلب على الخصم وسرعان ما تبلورت تلك الأساليب خاصة في عصر انحطاط روما ، بصورة قواعد جامدة شملت مظاهر الخطابة كلها .

وبعد انحطاط روما وظهور المسيحية برزت طرق وأنظمة تربوية جديدة ، فقد أبدلت المسيحية الكنيسة بالدولة ، ودفعتها إلى إقامة محاكمها وسجونها وأملاكها وإلى السيطرة على التربيتين : الدينية والعلمانية ، ومارست الكنيسة سلطتها على التربية حتى مطلع القرن الثاني عشر حيث تراخت قبضتها على المواطن مشيرة بذلك إلى بداية نهاية القرون الوسطى .

هدفت الكنيسة إلى إعداد الفرد لخدمة الله والكنيسة وأخيه الإنسان وروحه ذاتها ، الأمر الذي أبعد عن فكر القرون الوسطى مفهوم التربية الحرة اليونانية ذلك لأن الحرية تتعارض مع ما تتطلبه التربية الكنسية في الفرد من تواضع وخضوع وتنوعت البرامج المدرسية وتراخت أو تفككت خلال القرون الوسطى وقامت المدرسة الكاتدرائية إلى جانب المدرسة الرومانية التي سبقت الإشارة إليها . وفي الكاتدرائية كان الأولاد يتعلمون القراءة والكتابة ويحفظون المزامير وبعض الحساب ، وكانت الدروس تشرح باللاتينية التي اعتاد التلاميذ حفظها دون فهم ، أما في المرحلة الثانوية فقد كان الأولاد يعلمون الفنون السبعة بهدف إعدادهم لدراسة الكتاب المقدس وتفسيره وشملت تلك الفنون النحو والبلاغة والجدل ( الدراسات الدنيا ) والحساب والهندسة والموسيقا والفلك ( الدراسات العليا ) .

إن تصور الفكر الوسيط للإنسان بعده كائناً خلقياً دينياً قد صبغ جوانب التربية الأخرى كلها المرتبطة بالمدرسة ، فمنعت الرياضة والرقص والتمارين خشية أن تعمل على تقوية الجسم المثقل بالخطيئة والغرائز الحيوانية ، وحوربت الرغبات الإنسانية الفردية وأجبر الفرد على الخضوع للسلطات الدينية وقد عدلت طرق التربية ومحتواها لتؤدي إلى تعليم الإنسان النظام الديني والخلقي والعقلي ، فتحولت التربية من فعالية لخدمة الإنسان في واقعه الراهن إلى إعداده للحياة الأخرى .

ومع بداية تدهور الكنيسة وإشراقة عصر النهضة عمد الفلاسفة إلى إعادة النظر في الواقع الإنساني فتطلعوا إلى الطبيعة وأهملوا السلطة وجعلوا هدف التربية إعداد الأولاد للسعادة في الحياة وليس في الآخرة . وامتدت يد الطبيعة الراحمة إلى الفتاة فأعطتها ما أعطت الصبيان من حق في التربية والإعداد للحياة ، الأمر الذي رفع من قيمة المرأة الأم وعدها المعلم الأول .

راد كومينيوس ( J.A. Comenis ) ( 1592 – 0167 ) الثورة التربوية فطرح مبدأ ( التربية وفق الطبيعة ) ودعا إلى تجنيب ابن السادسة المدارس التي تعلم باللغة اليونانية أو الرومانية ونادى بالتعليم الإلزامي حتى السنة الثانية عشرة في مدارس تقدم علومها باللغة الأم وتهيئ غالبية الأولاد للعمل في المجتمع ، وقد أكد كومينيوس أن على النخبة القليلة من المتعلمين أن ينتقلوا في سن مبكرة جداً إلى الجامعة واتصفت دعوته بالشمولية لأنه قدم مخططاً تربوياً يبدأ بالطفولة وينتهي بالدراسات العليا ، إلا أن الباحثين انتقدوا كومينيوس لاهتمامه بتربية أبناء الأثرياء دون أبناء الفقراء .

تابع كل من لوك ( 1632 – 1704 ) وروسو ( 1712 – 1778 ) الثورة التربوية التي قادها كومينيوس وأكدا على فكرة إعداد الطفل بصورة ملائمة لحياة الرجولة المنتجة وتحمل المسؤولية وتكمن مهمة التربية بنظر لوك في صناعة ( عقل سليم في جسم سليم ) لهذا فقد اقترح نظاماً اسبارطياً يدفع الأولاد لطاعة النظام من طرف والانسياق مع العقل من طرف آخر وقد عد لوك عقل الطفل صفحة بيضاء تنطبع عليها التجارب فتحدد مصير الطفل ومستقبل حياته برمتها وأولى انتقاء التجربة المفيدة للطفل أهمية بالغة .

وغاير فهم روسو لعملية التربية فهم لوك لها ، إذ أنه بسبب خبرته كمعلم توصل إلى نتائج ثورية بصدد التربية وأرسى ذلك الفيلسوف في كتابه الشهير (( أميل )) (1855 ) الأسس الجوهرية لما عرف فيما بعد بالتربية التقدمية ، ورأى أن على التربية أن تتلاءم مع حاجات الأولاد وقدراتهم بدلاً من أن تكون استجابة لنزوات الراشد واستطالة لمعتقداته الخاطئة عن طبيعة الفعل والحياة فدعا روسو إلى تربية تقوم على الخبرة (( … احذر أن تستبدل الشيء بالكلمة   حيث لا يستحيل إحضار الشيء … إننا نهب الكلمات قدرة مفرطة … دع دروس الصغار تأخذ صيغة الفعل لا القول )) ( روسو – الترجمة الإنكليزية 1955 ) .

كان روسو بمعنى ما ، رائد علم نفس الطفل فقد لاحظ الصغار بعناية وخبر كيف يسلكون ويتعلمون وحاول ملاءمة التربية للمستوى النمائي للأولاد واتبع عدد كبير من المربين المشهورين نمط روسو في التربية فعرفوا بأصحاب النزعة الطبيعية في تربية الطفل وعلى الرغم من استقلال علم نفس الطفل عن التربية بعد روسو فقد أقام عالم نفس الطفل الشهير (( بياجيه )) Piaget  بدءاً من عام 1960 حلقات وصل جديدة وقوية بين ظواهر النمو وفعاليات التربية .

وسرعان ما تبع السويسري بستالوتزي ( 1746- 1827 ) خطا سلفه روسو فقد ألهم روسو في كتابه (( أميل )) من خلفه من المربين فأقاموا عدداً من المدارس المتركزة حول الطفل لكن سوء الحظ وضعف الموهمة الإدارية عند بستالوتزي قد جعلا أفكاره ومدارسه قصيرة تماماً .

جعل بستالوتزي من مدرسته في (( أفردون )) نمطاً مدرسياً يحتذى كانت أفردون مدرسة داخلية جمع منهاجها الدقة إلى المرونة وقسم بستالوتزي اليوم الدرسي إلى فترتين : صباحية ومسائية تتخللهما راحة عند الظهيرة وخصص فترة الصباح لدراسة المواد الصعبة وترك فترة المساء للمواد العملية السهلة وذلك لاعتقاده بوضوح الذهن في الصباح وتغيمه الناجم عن التعب في المساء وأصبحت مدرسة أفردون مثالاً يحتذيه المبدعون في التربية ويحفزهم على المزيد من الإبداع التربوي .

طبق بستالوتزي فكرة روسو التي تؤكد ضرورة تعليم الأولاد بطريق الخبرة والممارسة النشطة وليس بالحفظ فكان يعرض الأشياء على الصغار ويمطرهم بالأسئلة آملاً أن تتحقق الفائدة في اكتساب الصغار العلم والمعرفة وتميزت قيادة بستالوتزي لتلك الدروس بقدرة المربي على تحريك روح الإبداع والخلق في الأولاد ، ولأسئلة بستالوتزي ديناميكيتها المتميزة على الرغم من تشابه طبيعتها الخارجية مع نظيرتها لمرب آخر ، يسأل بستالوتزي الأولاد مثلاً ملاحظة النباتات وتصنيفها فيبدعون ويسألهم الآخرون الشيء نفسه فينقلب الأمر تعلماً آلياً وحفظاً مملاً .

استمر فعل بستالوتزي في التربية عبر تلميذه فروبل ( 1782- 1852 ) ذي الأصل الألماني لم يستطع فروبل أن يصير معلماً إلا عندما بلغ الثلاثين من عمره وذلك بسبب نشأة مضطربة في الطفولة والمراهقة . ولم يختلف حال فروبل عن حال أستاذه بستالوتزي فقد أنشأ عدداً من المدارس أغلقت جميعها ما عدا إحداها التي انقلبت داراً للحضانة وأعطت فروبل شهرته التاريخية كواحد من أهم رواد العمل التربوي في العالم .

ظل الكثير من أفكار فروبل ملائماً للزمن خلال قرن بعد وفاته ومنها ما بقي كذلك حتى عصرنا هذا لقد وضع فروبل أغنيات تنشدها الأمهات لأولادهن وألعاباً ما زال الكثير من برامج التربية المعاصرة يدعو إلى إقامتها بين الأولاد والأهل كان الطفل ينظر إلى تكوين مفاهيم مجردة وشاملة وتجسدت التجربة الفروبلية في اللعب والعمل وعفوية العلاقة البشرية وفي كل ما يعارض فكرة عد الطفل راشداً صغيراً .

لقد كان فروبل يدعو إلى تربية طبيعية سرعان ما طورها ودفعها إلى الأمام عالم التطور الفذ (( شارل دارون )) وتعد نظرية دارون التي نشرت عام 1859 بعد سبع سنوات من وفاة فروبل واحدة من أهم الحوادث المؤثرة في تاريخ علم نفس الطفل فلقد قادت نظريته عن التطور إلى منهج طبيعي بصدد سلوك الطفل والنمو الإنساني وقد مكن عد الإنسان حلقة دقيقة في سلسلة حيوانية متواصلة من دراسة الأطفال كظاهرة طبيعية وهو أمر ما كان ليحدث لو بقي الطفل مخلوقاً رفيعاً .

ومن حسن حظ علم نفس الطفل أن اقترن ظهور الدارونية بأحداث أخرى ساعدت على تصعيد الاهتمام به وتعود تلك الأحداث لأسباب ترجع لعمل دارون ولتطور المعرفة الطبية ولبروز الاهتمام الجديد بسعادة الطفل من جهة أخرى فقد نقم الناس على استغلال أرباب العمل للأطفال وتشغيلهم بأجور رخيصة في دراهم محدودة ، وأدت تلك العوامل مجتمعة إلى ظهور حركة إصلاحية في منتصف القرن التاسع عشر تهدف إلى حماية الأطفال وإسعادهم وقد وضعت الحركة المشار إليها أسس مراكز الوقاية اليومية وإصلاحيات الأحداث ومراكز لرعاية الأطفال الرضع للأمهات العاملات ومؤسسات تعليم متخلفي العقول والمضطربين .

وبذلك تحطم القيد الذي ضربه الفكر الوسيط على تلك المؤسسات لتعارضها مع أفكار الخطيئة والعقاب التي شوهت الفكر الإنساني إبان العصور الوسطى لقد شجعت نظرية دارون وتطور المعرفة الطبية ثورة الناس على الفكر الوسيط ودفعتهم لعد الخطيئة عملاً طبيعياً يأتيه إنسان طبيعي في وضع شاذ وهذا الأمر أدى إلى نشوء الحركات الإنسانية الهادفة إلى تحييد الإنسان وإلى إقامة علم نفس الطفل كمنهج يساعد على الفهم الموضوعي للظواهر النفسية في منظورها التطوري وعلى السيطرة على تلك الظواهر لوقايتها من الانسياقات الشاذة .

التربية و التعليم

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: