Posted by: tarbeyawatakwin | سبتمبر 24, 2012

الغائب الظاهر في إصلاحات نظام التربية والتكوين


<< تعتبر المكتبة المدرسية عنصرا أساسيا في أي إستراتيجية طويلة الأمد تستهدف محو الأمية، والتعليم، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية>>
بيان اليونسكو حول المكتبات المدرسية، أكتوبر 1998

من خلال قراءة لأدبيات وزارة التربية الوطنية منذ تبني الميثاق الوطني للتربية والتكوين، سواء ما تعلق بالوثائق التأطيرية لما سمي منتديات الإصلاح، أوالتوصيات الصادرة عن هذه المنتديات، والخطط الإستراتيجية لتنمية النظام التربوي، يصعب على متتبع مسار إصلاح المنظومة التربوية ببلادنا ملامسة بوادر إدراج المكتبات المدرسية ضمن أولويات هذا الإصلاح.
إن الأمر منطقي إذا انطلقنا من كون الميثاق نفسه لم يدرجها (المكتبات/الخزانات المدرسية) ضمن مقومات النهوض بمنظومة التربية والتكوين، فقد اكتفى بذكرها في الدعامة العاشرة في سياق الدعوة إلى إدراج التكنولوجيا الجديدة للإعلام والتواصل لـ”حل مشكلة الندرة والتوزيع غير المتساوي للخزانات والوثائق المرجعية”، وكأنها دعوة إلى الاستغناء عن كل مجهود وطني يرمي إلى إرساء دعائم فضاءات التوثيق والإعلام في الأنساق التربوية الوطنية.
ودون الخوض بإسهاب في أهمية المكتبات ومراكز التوثيق، ووظيفيتها في جودة بناء المعرفة، فإن ما آل إليه قطاع المكتبات المدرسية ببلادنا منذ الشروع في تفعيل مقتضيات الميثاق الوطني للتربية والتكوين يستدعي الوقوف على أمور أهمها:
1- معلوم أن المكتبة المدرسية هي الموزع الرئيسي لخدمات التوثيق والإعلام داخل المؤسسة التعليمية، ولا يمكن الحديث عن جودة البناء المعرفي في غيابها. فاكتساب مهارات وكفايات تهم الممارسات القرائية والبحث الوثائقي، وإنجاز المشاريع الشخصية، وتثبيت سلوكات سوسيوثقافية، أمر موكول إليها في الأنظمة التعليمية المتقدمة. بل لا يمكن عمليا ترسيخ تربية مكتبية يتشبع بها المتعلم، إلا من خلال مواقف تعلمية تنتح مهارات اعتيادية فردية وجماعية وظيفية لبناء الدروس والوحدات المعرفية. وتأسيسا على ذلك فإن غياب المكتبة المدرسية المندمجة هو غياب لإحدى مقومات استكمال البناء المعرفي عموما.

2- نصت التوجيهات التربوية المصاحبة لمختلف البرامج الدراسية على فقرات تحدد تدقيقات حول الكفايات المستهدفة في مجالات التعلم الذاتي والبحث الوثائقي، لكن توفير الفضاء المفروض توظيفه لتحقيق ذلك أمر مؤجل لحد الآن.

3- شهدت العشرية 1992-2002 طفرة متميزة نتجت عنها حركة دائبة بشرت في معظم جهات المغرب بإمكانية إقلاع قطاع المكتبات المدرسية، إذ اتخذت آنذاك على صعيد الإدارة المركزية لوزارة التربية الوطنية قرارات ساهمت بشكل ملحوظ في خلق دينامية حول مرفق المكتبة المدرسية، سواء ما تعلق منها بالمقومات البشرية كإقرار تعيين مكلفين بتفتيش المكتبات المدرسية على صعيد الأكاديميات، ومؤطرين أسند إليهم تأطير ومراقبة العاملين بالمكتبات المدرسية على صعيد النيابات الإقليمية. وتعيين الأطر المكلفة بمهام قيمي المكتبات. أو ما تعلق بالمقومات المادية والتنظيمية كتجهيز 600 مكتبة مدرسية بالأثاث والأرصدة الوثائقية خلال الموسم الدراسي 1999/2000 .

وبغض النظر عن مدى اندراج هذه الإجراءات والتطورات آنذاك في سياق تصور معين لمشروع سياسة وطنية للنهوض بقطاع المكتبات المدرسية خصوصا، أو في إستراتيجية معينة لبناء المعرفة عموما، فإن تتبع سيرورة وامتدادات هذه الإجراءات منذ بداية تطبيق إصلاح منظومة التربية والتكوين، يبين – عكس ما يقتضيه منطق التراكم – أن المكتبات المدرسية أعيدت إلى نقطة الصفر من جديد:
– أزيلت مصلحة المكتبات المدرسية من هيكلة الإدارة المركزية للوزارة.
– انقرض المكلفون بالتفتيش وتقلص عدد مؤطري المكتبات إلى اقل من نصف عددهم، فخفتت قوة إيمانهم بإمكانية إقلاع هذا القطاع، وتحسر الكثير منهم على ضياع سنوات عشر وجد بعدها نفسه لا في العير ولا في النفير، فمؤطر المكتبات علما وعملا يقوم بكل مهام المفتشين، لكن الإدارة المركزية تعتبرهم من مخلفات مشاريع الجودة (موديل1999)، ففضلت عدم إدراج هذا المسمى في أي فقرة من فقرات النظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية، ومثلما ذهب الأولون سيذهب اللاحقون.
– توقف تعيين القيمين في المحطة الأولى، بل أفرغت المكتبات من مواردها البشرية وأعيد الأساتذة إلى أقسامهم.
– تم حل مجالس المكتبات المدرسية في التنظيم الجديد للمؤسسات وأوكل أمر ” تقديم اقتراحات حول اقتناء الكتب المدرسية والتثقيفية والمؤلفات المرجعية الصالحة لمكتبة المؤسسة” إلى المجالس التربوية فتراجع الاهتمام بتأهيل المكتبة إلى الدرجات الأخيرة من سلم الأولويات.
– أدرجت المادة 67 من القانون الأساسي قيمات وقيمي المكتبات ضمن إطار الملحقين التربويين، ونظرا لما يحمله مصطلح “ملحق” من تلميح دونيي يتضح من خلال كون هؤلاء الملحقين(الأساتذة سابقا قبل قرار التغيير القسري للإطار) “يقومون تحت إشراف هيأة الإدارة التربوية وأطر هيأة التدريس بمهام لدعم العمل التربوي…” فإن تقلص مساحات التفاني في إبداع أشكال التضحية بالوقت والمجهود لدى العاملين بالمكتبات أضحى واقعا معيشا. أي تحفيز هذا الذي يلزم الملحق التربوي(أستاذ سابقا) بالعمل تحت إشراف الأساتذة (زملائه سابقا)؟.

ولكي لا يدرج الكلام ضمن مثل السكاكين والبقرة، بعد ما أعلن مرارا عن المراتب التي “نزلت” إليها هندسة السياسة التعليمية في التقييمات الدولية ، وبعد خلو التقارير الصادرة عن المجلس الأعلى للتعليم من إي إشارة- ولو بالتلميح- إلى وضعية المكتبات المدرسية، نعيد التذكير بما حاولنا مرارا أن ننبه إلى خطورة إغفاله:
– إن كون المكتبة المدرسية أداة رئيسية لتنفيذ الإستراتيجية الوطنية لبناء المعرفة يقتضي تسطير سياسة واضحة، ومعلنة، تنقل فضاء المكتبة المدرسية بالمؤسسات التعليمية من موقعها الهامشي الحالي، إلى وضع اندماجي وظيفي، وهو أمر يجب إدراجه ضمن أولى أولويات إصلاح المنظومة التربوية.
– إن المقومات المادية والبشرية عماد أساسي لتنفيذ أي مخطط إستراتيجي لتفعيل فضاءات التوثيق والإعلام بمختلف الأسلاك التعليمية، وإن تأهيلها لا يمكن أن يرهن بمنطق التكلفة والربح الصافي، وتقليص الكتلة الأجرية…
– إن المكتبة المدرسية مجال للتربية الحقيقية على القيم، واكتسابها بالقدوة والاقتناع، بعيدا عن أساليب “شعارات تحت الطلب” التي تساهم في نشر الكفر بها.
– إن بلدنا الحبيب يعد من بين دول الجامعة العربية القلائل التي لم يتم بعد في مؤسساتها الجامعية إحداث شعب علم المكتبات والمعلومات، وهي الكفيلة ببلورة قوة تنظيرية وتطبيقية، قادرة على تأطير السياسات الوطنية في مجالي بناء المعرفة وصناعة المعلومات، وتلبية حاجات المؤسسات المختلفة من الأطر المؤهلة المتخصصة في مجال المكتبات والتوثيق والمعلومات. فرغم ما قدمته مدرسة علوم الإعلام من مساهمة في تكوين المتخصصين، فإن دمج الخريجين منها في مؤسسات التربية والتكوين ظل خاضعا لمنطق الفرص النادرة، نظرا لكونها خارج وصاية وزارة التعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي. لقد تخلفنا كثيرا عن غيرنا في هذا المجال، ويكفي أن نشير إلى أن أول مسلك جامعي لتدريس علم المكتبات افتتح في جمهورية مصر العربية سنة 1951، ويكفي كذلك أن نبحث في البيبلوغرافيات العربية عن عدد المراجع التي ألفها المغاربة في هذا العلم، وأن نقارنه بعدد ما أنتجه أشقاؤهم المصريون. وتكفي أخيرا الإشارة إلى ما سقطت فيه مادة التوثيق التي تم إقرار تدريسها في بعض مسالك التعليم الثانوي التأهيلي، فبعد قيام وقعود في سبيل وضع برامجها، والمصادقة على الكتب المقررة لها، تم اكتشاف استحالة تدريس هذه المادة بسبب عدم توفر الوزارة على أساتذة تخصصين.
– إن مشروع تعميم تكنولوجيا المعلومات والتواصل في التعليم المغربي لا يمكن أن يؤتي أكله في مجتمع مدرسي تنعدم فيه تقاليد القراءة، وشغف الإقبال على ممارساتها. فتاريخ الإنسانية لم يشهد شعبا متشبعا بالعلم والآداب وبحب القراءة بدون مكتبات.
– إن توفر كل المؤسسات التعليمية على مكتبات مدرسية فاعلة يضمن لصناعة الكتاب توزيع آلاف النسخ من كل كتاب مفيد في هذه المؤسسات، أكثر بكثير مما يوزع حاليا في أحسن أحوال المبيعات.
– إن أكبر مؤشر على فداحة ما تعيشه منظومة التعليم المدرسي هو استحالة إجابة وزير التربية الوطنية عن سؤال يطلب منه تحديد عدد المؤسسات التعليمية العمومية والخصوصية التي لا تتوفر على مكتبات مدرسية.
– إن الطبيعة الاستعجالية والإستراتيجية لإنجاز مشروع المدرسة الوطنية القادرة على حمل البلاد إلى مصاف مجتمعات الإعلام والمعرفة، تقتضي اتخاذ قرارين لا يرتبط تنفيذهما بمزاج حكومي أو تكتيك سياسوي، أولهما بحجم إعلان توجيهي يرسم ملامح المغرب المأمول، كل المواطنات والمواطنين فيه مؤهلون لامتلاك مفاتيح دخول واسع إلى عوالم القراءة والكتابة، وللمساهمة ببصماتهم في مجال العلم والإبداع الانسانين،وثانيهما بإحداث هيئة من دوي الاختصاص تشكل من خبراء في علم المعلومات والمكتبات وعلوم التربية والعلوم الاجتماعية وغيرهم، توكل إليها مهمة وضع مخطط مرجعي طويل الأمد يسطر ما يجب فعله لبناء المغرب القارئ، ويلزم الحكومات المتعاقبة على أجرأته وخاصة وزاراتها الوصية على التربية والتكوين والثقافة، ولا يقبل التساهل وغض الطرف في مجال تقدير مسؤولية الإخفاق في تحقيق غاياته. فالتاريخ لا يرحم في تسجيل الوقائع، وخسارة الوطن ستكون أكبر إن لم يتم تدارك الأمر الآن وليس غدا… فهل من مجيب…

منقول من منتدى المكتبات المدرسية بالمغرب: http://forbibscol.forumaroc.net/t3-topic

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: