Posted by: tarbeyawatakwin | أغسطس 29, 2012

سوسيولوجية التربية


تقديم:
بالرغم مما يلاقيه الباحث في موضوع التربية من مشقة وتعب، وما يصادفه من عقبات، فإننا نرى أن هذا الموضوع أولى بالدراسة وأحوج إلى البحث، باعتباره هاجشا مسكونا بالقلق لتعدد خطاباته وتعقد موضوعاته وقضاياه .
هذا الطابع المعقد للتربية لا يشكل حاجزا أمام العقل بقدر ما يشكل منطلقا لعديد من التساؤلات الفلسفية والسوسيولوجية … التي سعت عبر جهد جهيد إلى فك طلاسيم الوجود الإنساني، من خلال البحث المستمر في خباياه والسعي الدائم نحو بث القيم النبيلة والأخلاق الفضيلة عن طريق تهذيب سلوك الكائن البشري وتقويم أفعاله داخل فضاء تربوي منظم ، معقلن يقر بأهمية التعلم والتكوين والتنشئة …كمفاهم جوهرية في بناء الإنسان الحديث.
إن التربية غنية بمواضعها ومجالاتها، غير آمنة الحدود، منفتحة باستمرار على الوافدين إليها من حقول وتخصصات مختلفة ، منشغلة على الدوام برسم خريطة لمساراتها ، وتحديد معالم فروعها واتجاهاتها، إنها مسكونة بهاجس تجريب ومساءلة ما يأتيها من علوم أخرى. فبفضل خطاباتها وتنوع مقارباتها تخطى الإنسان طبيعته نحو وضع تربوي ثقافي رفيع وعندما تشتغل الفلسفة والسوسيولوجية على موضوع التربية فإنهما في نفس الآن ينتجان خطابا إنسانيا معقلنا ليس له من هدف سوى تبرير هذا الإستغال.
تلك هي الفكرة المركزية التي تنبني عليها تحليلات ومناقشات بحثنا هذا.

سنقف بشكل متأن في هذا المشروع على أهم ما يميز كل من “أوليفي ربول” Olivier reboul” ( أستاذ الفلسفة في جامعة مونتريال بكندا ) وإميل دوركايم ” ” Emile Durkheim” (فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي) في التربية ، بمعنى معرفة الآثر الذي لعبته المرجعيات الفكرية المختلفة لهذين الآخيرين في هذا الموضوع ومدى انعكاس التربية على حياة الإنسان، بهذا يكون هذان المفكران نقطة انبثاق العديد من مسارات الحداثة التربوية التعليمية وروافدها ، بل نقطة التقاء صرارعاتها ومخاضاتها وكأنها تربيات متعددة لا مجردة تربية واحدة .
إن تحديدنا لمفهوم التربية استنادا إلى جملة من المفاهيم المجاورة له من مثل ( التعلم ، التكوين، التنشئة، النمو، التمدرس، الترويض، … ) هو فقط لكي نبرز البعد المعقد لهذا النموذج من التفكير ونؤكد في نفس الوقت على أهميته في حاضرنا وواقعنا الثقافي .
لذا قسمنا بحثنا إلى ثلاث فصول أساسية ، تناولنا في الفصل الأول البناء المعجمي لمفهوم التربية انطلاقا من زاويتين : اللغوية والفلسفية ، وذلك من أجل تأسيس الأرضية المفاهيمية التي من خلالها يمكن معرفة مختلف التمفصلات، والتقاطعات بين المفهوم الأساسي ( التربية ) في علاقته بمفاهيم أخرى مرادفة له قصد إدراك إلى أي حد تستطيع هذه التحديدات المفهومية أن تفي بالغرض المنشود الذي هو فتح الباب أمام بداية اشتغال جديد يقوم على استثمار السابق ( الأساس الدلالي للتربية ) لبناء اللاحق ( التربية كموضوع نظري قابل للنقاش في الواقع الإنساني ).
أما الفصل الثاني فخصصناه للكلام عن التربية من خلال مقاربتين أساسيتين هما الفلسفة والسوسيولوجية ، مع إبراز نقط الاختلاف والإئتلاف بين هاتين المقاربتين في تحديد مفهوم التربية وطبيعة أو كيفية ممارسة هذا المفهوم على مستوى الواقع الإنساني وبشكل إجرائي من أجل تبيان حدود نجاحه في تغيير الإنسان من وضعه الطبيعي اللاواعي إلى حالته الإنسانية الواعية.

أما الفصل الأخير فتناولنا فيه موقف الثقافة المغربية من مفهوم التربية انطلاقا من الواقع التعليمي التعلمي وآفاق هذا الواقع على المستوى الفكري …لا سواء من جهة المتعلمين أو من جهة المدرسين.
لكن إذا ما راعينا المراحل والأشواط التي قطعناها في إنجاز هذا البحث فقد اعترضتنا لامحالة جملة من المشاكل والصعوبات التي يمكن ذكرها كما يلي:
صعوبات ترتبط بقلة المراجع باللغة العربية، حتى وإن توفرت فإن ترجمتها رديئة لا تفي بالغرض المطلوب . الأمر الذي دفعنا إلى العمل على قراءة بعض الكتب بلغتها الأصلية ومحاولة ترجمة ما فيها إلى سياقات نظرية سليمة لها نفس الدلالة والمعنى التي قصدها أصحابها.
هذه العملية: قراءة الكتب بالفرنسية أخذت منا وقتا كبيرا، لكن مع ذلك أعطتنا الشيء الكثير والمهم، حيث انفتحنا على اللغة الأجنبية وتمرنا نسبيا على ترجمة العبارات الفرنسية الفلسفية إلى سياقات عربية محاولين بذلك احترام القواعد النحوية والتركيبية لكلتا اللغتين مع الحفاظ على معنى القول ودلالته تحقيقا للأمانة العلمية واستجابة لنذاء الواجب . وهو الرهان نفسه الذي عمل أستاذنا الكريم الدكتور ” محمد ياسين ” على بثه فينا منذ البداية.

هذا إلى جانب مشاكل أخرى تتعلق بعدم توفر الظروف الملائمة للعمل من قبيل مكان وزمان الإشتغال؛ فإغلاق المكتبة في وقت مبكر وعدم توفر قاعات للمطالعة إضافة إلى الوضع المادي والمعاشي الصعب …. كلها عوامل وأسباب من شأنها أن تؤثر سلبا على مسيرة البحث التربوي وعلى مردودية الطالب الأستاذ داخل مركز التكوين، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالعمل الثنائي أو الجماعي.
فكيف يمكن بالله عليكم أن ينجز طالبان أستاذان بحثا تتوفر فيه الشروط المطلوبة والكافية في ظروف قاسية كهاته . صحيح قد يقول البعض إن هاته الأسباب المذكورة ما هي إلا حجج واهية الهدف منها تبرير العجز الذاتي عن مواجهة الحقيقة، لكن الجواب الذي يمكن أن نقدمه له هو أنه لا يحس بالألم ولا يعرف وجعه إلا من تدوقه وتدوق مرارته .
ومن بين المشاكل التي لاقتنا أيضا ونحن مقبلان على هذا العمل وهو قلة خبرتنا في بفلسفة التربية، وقد كانت هذه مناسبة ثمينة للتعامل مع هذا الحق الإنساني الفريد، والانفتاح على أهم المقاربات التي تناولته، قصد فهم وإدراك الأسس التي انبنت عليها التربية عبر التاريخ.
لكن رغم ضيق الوقت وقساوة الظروف استطعنا بالعزيمة والصبر تجاوز العوائق وتحقيق المطلوب، وهذا كله لم يكن أن يتم بالشكل اللائق لولا مساعدات وتوجيهات أساتذتنا الأعزاء أدام الله في عمرهم…. شكرا لهم.
أما فيما يخص الأفاق المرجوة من هذا البحث فيمكن أن نقول أن عملنا هذا لم يكن عبثا ، بل مجهودا خالصا يهدف إلى إبراز مدى أهمية التربية في إثارة مفهوم الإنسان وأحقية هذا الكائن بالإنسانية باعتبارها ليس فقط صفة من صفاته أو خاصية، وإنما جوهرا يرتبط بماهيته وكينونته ،خاصة وأن العقل هو أعظم شرف يميزه عن باقي المخلوقات . لكن هذا العقل لن يسمو إلى مرتبة الشرف والعظمة هاته بعيدا عن الظروف والمقومات النبيلة التي بها يحقق هذا التميز . فإذا كان الإنسان حيواني بطبعه وفطرته فإن التربية هي التي مكنته من تخطي الطبع نحو صنع ذاته والمستقبل.
والحقل التربوي بمفاهيمه القيمة من قبيل ” التعلم ، التنشئة، التكون، التهذيب، التعليم،…. ” هو أملنا في تحقيق ليس فقط هذا الإنجاز النظري المطبوع بحبر جاف على صفحات بيضاء بعضها يعانق الآخر، وإنما إغناء هذا البعد وجلعه أكثر ملامسة للواقع، ذلك أن الفكر النظري إن لم يترجم إلى تطبيق عملي يبقى بدون جدوى ، كما أن العمل الإجرائي إذا لم يتقدمه تصور مسبق يكون عشوائيا وغير هادفا … لذا نرى وفي أفق الاهتمام المتزايد بالتربية، والانشغال بقضياها ، والإنتاج في موضوعاتها يغدو مفيدا أن يقف الإنسان ” الطالب” عند ملامح وأبعاد الاتجاهات والأفكار الرائجة حول التربية، وأن يدرك خطوط التماس والتمايز بين حقول معرفية مختلفة تختلف في مقاربتها للظواهر التربوية، وأن يتعرف على مصادر تمتح منها التربية بعض موضوعاتها أو تمدها بها .وهذا من طبيعة الحال سيكون منطلقا للتزود بالطاقة التي من خلالها نستطيع فتح ملف يقارب مشكلة تعدد الخطابات والمقاربات المهتمة بظواهر ومشكلات التربية … واستيعاب هذه المشكلة بشكل نقدي بناء قصد تجاوز الأزمة التربوية التي من شأنها أن تخل بالتوازن الإنساني سواء على المستوى المؤسساتي أو الاجتماعي أو الأسري…
وفي نهاية المطاف نقول إن مجهوداتنا لإعداد هذا البحث تبقى مجرد محاولة نأمل أن تفتح آفاق البحث وتوسع دائرة الاهتمام والانفتاح على حقول تربوية مختلفة.

التربية بين الفلسفة والسوسيولوجيا

التربية بين الفلسفة والسوسيولوجيا
البعد اللغوي والفلسفي لمفهوم التربية
البعد المعجمي لمفهوم التربية
التربية تكون الإنسان – المقاربة الفلسفية
المقاربة السوسيولوجية – موقف Durkheim من التربية
دور الدولة في الإشراف على التربية
الحقيقة المأساوية للتعليم المغربي
العوامل الضرورية لتوفير جودة التعليم والتعلم

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: